فيمنع ولي الأمر ولا طاعة له في مخالفة الأولى والثانية أي الإيحاب والتحريم فإن منع واجبا فلا سمع له ولا طاعة مع الحرص على عدم الفتنة وإن أمر بفعل محرم فلا سمع له ولا طاعة مع الحرص على عدم الفتنة أيضا وله السمع والطاعة في الثلاثة الباقية المستحب والمكروه والمباح إن منع ذلك منعا مؤقتا وليس دائما لعلة مقبولة شرعا فإن منع شيئا مستحبا منعا مؤقتا وليس دائما لعلة مقبولة فيطاع في ذلك والمكروه كراهة التنزيه والمباح كذلك. هذا ما أردت التنبيه عليه في هذا المقام.
وعليه لا بد من ذكر حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يبين ويوضح ما قلناه وما قررناه بجلاء وهو حديث البخاري في الفتن من حديث ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً * (رواه البخاري)
وهذا بناء على ما قررناه من أن الأمير هو ولي أمر المسلمين الذي تولى أمرهم بالفعل سواء اختاره الناس بمحض إرادتهم أم فرض عليهم عنوة شريطة ألا يجتمع عليهم أميران أو وليا أمر في وقت واحد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فيما رواه مسلم بسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَأَتَيْتُهُمْ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -