وقال - رحمه الله: من العَجَب إلحاحك في طلب أغراضك، وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك، وتنسى أنها قد تُمنع لأحد أمرين:
إما لمصلحتك، فربما مُعجَّلٌ أذى.
وإما لذنوبك، فإن صاحب الذّنوب بعيد من الإجابة.
فَنَظِّف طُرق الإجابة من أوساخ المعاصي، وانظر فيما تطلبه هل هو لإصلاح دينك، أو لمجرّد هواك؟ فإن كان للهوى المجرّد، فاعلم أن من اللطف بك، والرحمة لك تعويقه، وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه فيُمنع رفقًا به، وإن كان لصلاح دينك فربما كانت المصلحة تأخيره، أو كان صلاح الدين بِعَدَمِه. وفي الجملة فتدبير الحق - عز وجل - لك خيرٌ من تدبيرك، وقد يمنعك ما تهوى ابتلاء ليبلوا صبرك، فَأَرِهِ الصبر الجميل ترى عن قربٍ ما يَسُرّ ... [1] .
وقال ابن رجب: فإن المؤمن إذا استبطأ الفَرَج، وأيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر عليه أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة، وقال لها: إنما أتيت من قبلك، ولو كان فيك خير لأُجِبتِ، وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه أهل لما نزل من البلاء، وأنه ليس أهلا لإجابة الدعاء، فلذلك تسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء، وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله. قال وهب: تعبد رجل زمانا ثم بَدَتْ له إلى الله حاجة، فقام سبعين سبتا يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل الله حاجته فلم يُعطها، فرجع إلى نفسه، فقال: منك أتيت، لو كان فيك خيرًا أُعطيت حاجتك، فنزل إليه عند ذلك ملك، فقال له: يا ابن آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك. خرجه ابن أبي الدنيا [2] .
الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر صمام أمان للفرد والجماعة، ومِن ذلك أن تركه سبب لعدم إجابة الدعاء.
(1) - المرجع السابق (ص 179) .
(2) - جامع العلوم والحكم (1/ 480) .
ومما ينبغي أن يُعلم أن المسلم ليس مُتعبّد بأكل إحدى عشرة تمرة كل سَبْت، بل الذي جاءت به السنة أن يتصبّح كل يوم بسبع تمرات إما مِن عجوة المدينة، وإما مما بين لابتيها.