هذه الآية أربعين سنة. قال مرزوق العجلي: دعوت ربي في حاجة عشرين سنة فلم يقضها لي، ولم أيأس منها [1] .
أي أن دعاء موسى صلى الله عليه وسلم لم يُستجب إلا بعد أربعين سنة.
ولا بد أن يُعلم أن من وُفِّق للدعاء فقد وُفِّق لخير كثير، وليست الإجابة الفورية من شرط الدعاء، لأن من دعا فهو أمام أحدِ ثلاثةِ أمور:
1 -إما أن تُجاب دعوته مباشرة.
2 -وإما أن يُصرف عنه من البلاء مثلما سأل.
3 -وإما أن تُدّخر له في الآخرة أحوج ما يكون إلى الحسنات.
لحديث أبي سعيدٍ الخدري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذًا نكثر؟ قال: الله أكثر ... [2] .
وكان عمرُ - رضي الله عنه - يقول: إنّي لا أحمل همَّ الإجابة ولكن همَّ الدعاء، فإذا أُلهمتُ الدعاء فإن الإجابة معه.
قال ابن الجوزي - رحمه الله:
إذا وقعتَ في محنة يصعب الخلاص منها، فليس لك إلا الدعاء واللجأ إلى الله بعد أن تُقدّم التوبة من الذنوب، فإن الزلل يُوجب العقوبة، فإذا زال الزلل بالتوبة من الذنوب ارتفع السبب، فإذا تُبتَ ودعوتَ، ولم ترَ للإجابة أثرًا فتفقّد أمرك، فربما كانت التوبة ما صحّت فصححها، ثم ادعُ، ولا تملَّ من الدعاء، فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة، فأنت تُثاب وتُجاب إلى منافعك، ومن منافعك أن لا تُعطى ما طلبت بل تُعوّض غيره، فإذا جاء إبليس فقال: كم تدعوه ولا ترى إجابة، فقل: أنا أتعبّد بالدعاء، وأنا موقن أن الجواب حاصل، غير أنه ربما كان تأخيره لبعض المصالح فهو يجيء في وقت مناسب، ولو لم يحصل حصل التعبد والتذلل [3] .
(1) - التمهيد لابن عبد البر (10/ 301) . وانظر - غير مأمور - تفسير الجلالين (ص 280) .
(2) - حديث صحيح: رواه الإمام أحمد (3/ 18) والبخاري في الأدب المفرد (ص 264 صحيح الأدب) وعبد بن حميد (292) وابن أبي شيبة (6/ 22) والحاكم (1/ 670) وصححه، ووافقه الذهبي. ورواه أبو نعيم في الحلية (6/ 311)
(3) - انظر - غير مأمور - صيد الخاطر (ص 305) .