فكم سمعنا عمن أُغلقت في وجهه الأبواب، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم طَرَقَ باب مسبب الأسباب، وألحّ على الله في الدعاء، ورفع إليه الشكوى، وبكى فَفُتِحَتْ له الأبواب، وانفرج ما به من شِدّة وضيق.
ألم تسمع قصة أولئك الثلاثة الذين دخلوا غارًا فأغْلَقَتْ عليهم الباب صخرةٌ عظيمة، فما كان منهم إلا أن دعوا الله بصالح أعمالِهم وأخلصِها، فانفرجت الصخرةُ وخرجوا يمشون [1]
فالمؤيد بالوحي - عليه الصلاة والسلام - كان يجتهد في استنزال النصر بالدعاء.
فعن عَبْد اللّهِ بْن عَبّاسٍ قال: حَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ قال: لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلَىَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم الْقِبْلَةَ ثُمّ مَدّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ: اللّهُمّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي. اللّهُمّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي. اللّهُمّ إنْ تَهْلِكْ هََذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتّىَ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَ هُ فَأَلْقَاهُ عَلَىَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: يَا نَبِيّ اللّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبّكَ [2] فَإنّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأنفال:9] [3]
فاستجاب الله دعاء نَبِيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونصره على أعدائه.
وسيأتي مزيد بيان لهذا الحديث في أكثر من موضع، وسيأتي تخريجه.
وذكر الله في صفات عباد الرحمن أنهم يدعونه بقولهم: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74] .
وختم السورة بقوله: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان: 77]
(1) - انظر - غير مأمور - قصة الثلاثة في صحيح البخاري. كتاب الإجارة. باب من استأجر أجيرًا فترك أجره ... (2/ 51) ومسلم. كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (4/ 2099) من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -.
(2) - وفي رواية لمسلم (كفاك مناشدتك ربك) ، وهي كذلك في المسند (1/ 32) وغيره، ويُنظر شرح النووي على مسلم ... (12/ 434) .
(3) - رواه البخاري. كتاب المغازي. باب قول الله تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) ... الآيات (5/ 4) . ومسلم. كتاب الجهاد والسير (3/ 1384)