و الثاني هو حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، أدخل المنطق اليوناني في علم أصول الفقه، فألحق بكتابه المستصفى في علم الأصول، مقدمة منطقية، قال عنها: (( هي مقدمة العلوم كلها، و من لم يحط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا ) ) [1] . و كلامه هذا يُشبه كلام ابن حزم السابق ذكره.
و ثالثهم المؤرخ شمس الدين بن خلكان (ت 681 ه) ، مدح المنطق المشائي و أثنى علي كتاب التقريب لحدود المنطق لأبي محمد بن حزم الظاهري، و عدّ المعارضين للمنطق من الممخرفين [2] .
و رابعهم الفقيه تاج الدين السُبكي الشافعي الدمشقي (ق: 8 ه) ، برر إقبال المتأخرين على المنطق اليوناني، و مخالفتهم لموقف السلف منه، بدعوى أن الصحابة لم يكونوا في حاجة إلى المنطق اليوناني، بما لهم من عقول راجحة، و بما أفاضه الله عليهم من نور النبوة العاصم للفكر من الخطأ. ثم قال: إن أكثر العلوم التي ندأب نحن في طلبها هي حاصلة لهم بأصل الخلقة، كاللغة و النحو، و أصول الفقه، و قد سار على نهجهم السلف من أهل القرون الثلاثة الأولى، ثم عندما كثُر أهل البدع و الضلالات احتاج المتأخرون من أهل السنة، إلى المنطق للرد على هؤلاء [3] .
و قوله هذا فيه مغالطات و تمويهات و لا يصح من عدة أوجه، أولها إن العقول الفطرية الراجحة توجد عند كل الأسوياء، يولدون بها و تنمو فيهم تدريجيا، و ليست خاصة بالصحابة دون غيرهم من البشر؛ و نور الوحي الذي
(1) المستصفى في علم الأصول، بيروت، دار الكتب العلمية، 1996 ص: 10. و الذهبي: السيّر، ج 18 ص: 327
(2) وفيات الأعيان، ج 3 ص: 326.
(3) طبقات الشافعية الكبرى، حققه محمود الطناجي، ط 2 الجيزة، دار الهجر،1992، ج 6 ص: 255.