و أما ما يُذكر لكبار الفلاسفة المسلمين من انتقادات للفلسفة اليونانية، فهي قليلة جدا بالمقارنة إلى ما كتبوه في شرحها و الدعوة إليها و الدفاع عنها و التعصب لها و الانتماء إليها. وقد قال عنهم ابن خلدون أنهم اتبعوا أرسطو (( حذو النعل بالنعل إلا في القليل ) )،و أشار ابن تيمية إلى أن ابن رشد خالف أرسطو و ابن سينا و لم يقل بقولهما في نفي علم الله تعالى بالجزئيات [1] . لكن لا ننس أن ابن رشد قال ذلك في كتبه الكلامية الموجهة لجمهور المسلمين، و قال بخلافه في كتبه الفلسفية، فنفى صفة العلم و غيرها من الصفات، و هذا أمر سبق أن تناولناه. و لعل الشيخ ابن تيمية لم يطلع على كتبه الفلسفية، لأنها ربما لم تصله. و الشيخ نفسه قد ذكر أن ابن رشد كان من الباطنية، و يُظهر خلاف ما يُبطن بسبب تعصبه لأرسطو و شيعته، و هذا أمر سبق أن ذكرناه.
و ذكر صديق القنوجي أن ابن سينا جمع في كتابه الشفاء علوم الفلسفة السبعة، لكنه في كتابه الإشارة خالف أرسطو في كثير من المسائل، قال فيها برأيه [2] . لكن انتقادات هؤلاء للفلسفة اليونانية هي انتقادات جزئية لا تُخرجهم عن أصول الفلسفة المشائية، فهي اجتهادات داخل المذهب لخدمته لا للانتقاده و تقويضه، و لا تجعل منهم فلاسفة أحرارا مجددين مبدعين، فلو كانوا كذلك ما انتسبوا لتلك الفلسفة، و لأسسوا لأنفسهم مذاهب فلسفية جديدة، ولثاروا على فلسفة اليونان الوهمية البالية، و لرفعوا من شأن دينهم و لا خالفوه فكرا و سلوكا.
(1) درء التعارض، ج 9 ص: 401 - 402.
(2) القنوجي: أبجد العلوم، ج 2 ص: 367.