الفلسفة و لم تنحرف سلوكياتهم، و كانوا صالحين متدينين، كالوزير الفقيه محمد بن المظفر المروزي [ت 530 هجرية] ،و القاضي أحمد بن عبد الله البهوتي (ت 544 ه) ،و و القاضي الطبيب الشمس بن الخليل الجواب (ت 637 ه) [1] ،و شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، و تلميذه النجيب ابن قيم الجوزية.
و لا يغيب عن بالنا أن انتقادات علماء أهل السنة للفلاسفة المسلمين لم تكن قائمة على الهوى و الظن و الكذب عليهم، و إنما كانت قائمة على أساس شرعي عقلي علمي، و قد سبق أن أثبتنا ذلك في الفصول السابقة. و قد كانت نظرتهم لهم و لفلسفتهم موضوعية إلى حد كبير، جعلت بعضهم يعترف ما لهؤلاء من محاسن و قدرات عقلية، و صواب يُنتفع به، إتباعا لقوله تعالى: (( و لا تبخسوا الناس أشياءهم ) )-سورة الشعراء /183.
فالمحدث الأديب ابن قتيبة الدينوري (ت 276 ه) ، استعان بالفلسفة و رجالها عندما رد على المتكلمين من المعتزلة و الجهمية، في ردهم لحديث صحيح، و هو حديث الذباب، و فيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: (( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فاغمسوه فإن في أحد جناحيه سما و في الآخر شفاء ) )، فقال إننا إذا رجعنا إلى الفلسفة وجدنا أن الذباب بمنزلة الحية، و قد قال عنها الأطباء أن لحمها شفاء من سمها، و قالوا: إن الذباب الذي إذا خلّط بالأثمد -كحل - و سُحق معه، ثم اكتحل به زاد ذلك في نور البصر، و شدّ مراكز الشعر من الأجفان و حافات الجفون. و قد حكى أرسطو عن قوم أنهم كانوا يأكلون الذباب فلا يرمدون [2] .
(1) الذهبي: السير، ج 23 ص: 65. و السمعاني: التحبير، ج 2 ص: 288، 445.
(2) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ... ص: 228، 230.