فبخصوص التساؤل الأول فإنني أقول: إن ترجمة تلك العلوم إلى اللغة العربية لم تكن ضرورية مطلقا؛ و إن كان الإسلام لا يحرم على أهله الانتفاع بما عند غيرهم من خيرات و محاسن، و تجارب مفيدة و علوم نافعة، لكن مع ذلك فإن ترجمة تلك العلوم لم تكن ضرورية للمسلمين، فقد عاشوا بدونها قرنين من الزمن. و لو لم تترجم تلك العلوم إلى اللغة العربية لنمت و ترعرعت العلوم الطبيعية و الرياضية في المجتمع الإسلامي نموا طبيعيا، لأنها علوما ضرورية لا يستغني عنها مجتمع من المجتمعات البشرية. و قد كانت أصولها قائمة في المجتمع الإسلامي، نشأت في ظل الإسلام نحو قرنين من الزمن، استجابة لأمرين أساسين، أولهما أن الإسلام يحث على كل العلوم النافعة، و يدعوا إلى النظر في الأفاق و الأنفس، و في كل مظاهر الكون لاكتشاف قوانينه و تسخيره لخدمة الإنسان، هذا فضلا على أن بعض عباداته و أحكامه لا بد لها من رياضيات و فلك، كالمواريث و أوقات الصلاة و الحج. و ثانيهما أن الحاجة لتلك العلوم حاجة ماسة، تجعل نشأتها في المجتمع الإسلامي - الواسع المتنوع الأعراق و الأجناس- أمرا ضروريا دون الحاجة إلى ترجمة العلوم القديمة.
و أما بالنسبة للتساؤل الثاني، فأنني أقول: إن تلك الترجمة تمت بطريقة خاطئة، واكبتها سلبيات كثيرة، من ذلك أن الحاجة لترجمة علوم الأوائل لم تصدر عن حاجة داخلية حقيقية للمجتمع، و إنما صدرت عن رغبة أفراد قليلين جدا على رأسهم فرد معتزلي متفلسف مبهور بعلوم الأوائل، هو الخليفة العباسي المأمون.