و إضافة لما قلناه عن هؤلاء، فقد روى المؤرخ عبد الكريم الرافعي القزويني ... أنه قيل لأحد الفلاسفة- عندما حضرته الوفاة: كيف وجدت الأمر؟ قال: أُدخلت في الدنيا جاهلا، و عشت فيها متحيرا، و خرجت منها كارها )) [1] .
و يتبين لنا من هذا المبحث أن علماء أهل السنة الذين ركّزوا - في مقاومتهم للفلسفة اليونانية - على ظاهرة الشك و الحيرة عند أهل الفلسفة، أرادوا أن يثبتوا للناس أن تلك الفلسفة لم تورث أصحابها إلا التعاسة و الشقاء و الحيرة و القلق، فهي كما أفسدت فكرهم و سلوكهم أفسدت قلوبهم.
و ختاما لهذا الفصل يتضح منه أن تركيز العلماء السنيين على كشف الانحرافات السلوكية و النفسية للفلاسفة المسلمين، هو وسيلة هامة و فعالة في مقاومتهم للفلسفة اليونانية، فقد أثبتوا بالشواهد التاريخية أن هذه الفلسفة قد أفسدت هؤلاء فكرا و سلوكا و وجدانا، و أبعدتهم عن دينهم. و هذا دليل دامغ على بطلانها هي في ذاتها، لأن الفكرة الصحيحة تُعرف صحتها بذاتها و بآثارها؛ و الفكرة الباطلة هي أيضا يُعرف بطلانها بذاتها و بآثارها. و لا شك أن تركيزهم على هذه الوسيلة قد ساهم بقوة في كشف انحرافات هؤلاء للناس و تنفيرهم منهم.
(1) التدوين في أخبار قزوين، حققه عزيز الله العطاردي، بيروت، دار الكتب العلمية،1987، ج 3 ص: 360.