هذا النوع الخامس هو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه؛ لأن الأنواع الأولى قد تفعل على سبيل الاعتقاد، أو فرديا؛ يعتقد فرد في نفسه أن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهذا يكفر في نفسه. لكن النوع الخامس أعظم وأشد ضررا وخطرا، لأنه عام للأمة؛ وهو أن يأتي أحد فيفتح المحاكم غير الشرعية، ويقيمها في البلاد طولا وعرضا، ويجعل لها أنواعا وتفريعات ومراجع واستمدادات .. إلى آخر ما ذكر الشيخ رحمه الله، ويلزم الناس بالتحاكم إليها والرجوع إليها عند التنازع وألا يرجعوا إلى سواها.
فهذا أكبر وأعظم وأشد في جحد ما أنزل الله تبارك وتعالى وإنكاره، وعدم الإقرار به، وإن قالوا بألسنتهم: إنا نقر به، وذلك لأن المقصود أمر واقعي عملي، فهو إلزام للأمة به وإجبار لها عليه، وفي ذلك - كما ذكر الشيخ - معاندة للشرع حيث يفرض حكم غير حكم الله تبارك وتعالى على الناس، وفيه مكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم كأن يُتخذ شرع غير ما أنزل الله، وأن يتخذ سبيل غير سبيل المؤمنين. وهذه أيضا من العلامات أنه كفر أكبر. ومن دلائل ذلك أن في بناء هذه المحاكم وفتحها وتفريعها مضاهاة بالمحاكم الشرعية التي لا يجوز أن ينتشر غيرها، فهي التي تنتشر في البلاد وفي القرى وفي المدن، ويكون لها الفروع والسجلات والمراجع والمصادر وكل شيء، أما أن يكون ذلك لمحاكم أخرى ولأحكام أخرى فهذا فيه مضاهاة لشرع الله، وللمحاكم الشرعية التي تحكم بما أنزل الله إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا وتفريعا وتشكيلا وتنويعا وحكما وإلزاما ومراجع ومستندات.