يقول: (فلا فرقَ هنا بين نوع ونوع، كما أنّه لا فرق بين القليل والكثير، وقد نفى اللهُ الإيمانَ عن مَن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، من المنافقين، كما في قوله تعالى: {أَلمْ تَرَ إلى الذينَ يَزْعُمونَ أنّهم آمنوا بما أُنْزِلَ إليكَ وما أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ يَتَحاكَموا إلى الطاغوتِ وقدْ أُمِروا أنْ يكفُروا به ويُريدُ الشيطانُ أنْ يُضلّهم ضلالا بعيدًا} )
ويظهر هنا فقه الشيخ رحمه الله ودقة استنباطه فإن قوله عز وجل"ألم تر"أسلوب يستلفت الذهن، فكأنه يقول انظر، تأمل، تعجب أيها المخاطب. وإن كان الأصل للنبي صلى الله عليه وسلم وكل آية يأتي فيها هذا الأسلوب فإنه يفيد ذلك كما في قوله عز وجل"ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل"وقوله:"ألم تر كيف فعل ربك بعاد".
وقوله عز وجل:"ألم تر إلى الذين يزعمون"يعني أنهم لم يؤمنوا في الحقيقة، ولكنهم يزعمون، والزعم هو الكذب، هو الظن فقط. وكون الإنسان يعتقد خلاف الحق فهو زعم، وفلان يزعم كذا أي: يقوله ولا حقيقة له، ولا صحة لما يقول.
يقول: (فإنّ قوله عز وجل:"يَزْعُمون"تكذيب لهم فيما ادّعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبدٍ أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر)
فقوله عز وجل:"أَلمْ تَرَ إلى الذينَ يَزْعُمونَ أنّهم آمنوا بما أُنْزِلَ إليكَ وما أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ"أي يدّعون، ثم قال الله بعد ذلك:"يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت"، لم يقل الله: إنهم تحاكموا إلى الطاغوت واستمرءوا ذلك، واتبعوه واتخذوه دينا، وألزموا الناس به وردوهم