له، وما هي له من كون الله وحده نهاية مراده وغاية مطلوبه؛ فإن فيه فقرًا ذاتيًّا إلى ربه، والهدى من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ومطلوبه؛ كما أن فيه فقرًا ذاتيًّا إليه من حيث هو ربه وخلقه ورازقه ومدبره، وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه.
وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة الله وطمأنينة بذكره وتنعم بمعرفته ولذة وسرور بذكره وشوق إلى لقائه وأنس بقربه، ومتى لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب بقدر ما فيه، ولهذا تجد العبد إذا كان مخلصًا لله منيبًا إليه مطمئنًا بذكره مشتاقًا قلبه إلى لقائه منصرفًا عن هذه المحرمات لا يلتفت إليها ولا يعول عليها، ويرى استبداله بها عما هو فيه كاستبداله البعر الخسيس بالجوهر النفيس؛ فالنفوس ثلاثة؛ نفس مطمئنة إلى ربها وهي أشرف النفوس وأزكاها، ونفس مجاهدة صابرة، ونفس مفتونة بالشهوات والهوى، وهي النفس الشقية التي حظُّها الألم والعذاب والبعد عن الله والحجاب العظيم؛ وهو أن الإنسان مدني بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات واعتقادات؛ فيطلبون منه أن يوافقهم عليها؛ فإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر؛ فلا بد له من الناس ومخالطتهم، ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم، وفي الموافقة ألم وعذاب إذا كانت على باطل، وفي المخالفة