حذرها؛ فإن في ذلك بلاغًا لمن تذكر وعبرة لمن تفكر وتبصرة لمن تبصر؛ إخوانكم كانوا بالأمس معكم يأكلون مما تأكلون ويلبسون مما تلبسون، فأصبحوا اليوم وقد صارت القبور لهم بيوتًا وصاروا بين أطباق التراب خفوتًا، قد اقتسمت الوراث أموالهم ونكح العدو أو الصديق نساءهم وأهان العدو أطفالهم، قد هتكت منهم الأستار واستوحشت منهم الديار وتحدثت عنهم الأخبار، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فاحذروا لا تغتروا، واذكروا قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} ؛ قال ابن كثير: أي يراهم ويفر منهم ويبتعد منهم؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل.
قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أيُّ بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت. وتثنى بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين. فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني، أي والد كنت لك؟ فيثنى بخير، فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى؟ فيقول ولده:"يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا؛ يقول الله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه} ".