برحمته، وخلق خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنة برحمته، والنار أيضًا برحمته؛ فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته، ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته؛ فتأمل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعظه من الرحمة البالغة والنعمة السابغة، وما في حشوها من الرحمة والنعمة؛ فالرحمة هي السبب المتصل منه بعباده كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم؛ فمنهم إليه العبودية ومنه إليهم الرحمة.
ومن أخص مشاهد هذا الاسم شهود المصلي نصيبَه من الرحمة الذي أقام بها بين يدي ربه وأهَّله لعبوديته ومناجاته، وأعطاه ومنع غيره، وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره؛ وذلك من رحمته به.
فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} : فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين؛ فيشهد ملكًا قاهرًا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز ... إلى آخره.
فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} : ففيها سر الخلق والأمر والدنيا والآخرة، وهي متضمنة لأجل الغايات وأفضل الوسائل؛ فأجل الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته؛ فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين على عبادته غيره؛ فعبادته أعلى الغايات وإعانته أجل