فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 585

ومتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجهاد أهل الباطل حق مع كل الرسل، وخاصة أتباعهم؛ وهو التوكل، وحقيقته هو اعتماد القلب على الله وحده، فلا يضره مباشرة الأسباب مع خلو القلب مع الاعتماد عليها والركون إليها، كما لا ينفعه قوله: توكلت على الله. مع اعتماده على غيره وركونه إليه وثقته به؛ فتوكل اللسان شيء وتوكل القلب شيء، كما توبة اللسان مع إصرار القلب شيء وتوبة القلب وإن لم ينطق اللسان شيء؛ فقول العبد: توكلت على الله. مع اعتماد قلبه على غيره، مثل قوله: تبت إلى الله. وهو مصر على معصيته مرتكب لها؛ الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذه غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه؛ فإنه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا إليهم، ورأى بعض السلف رجلًا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك!

قال ابن القيم: والعارف إنما يشكو إلى الله وحده، وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نفسه لا من الناس، ولا تتم رغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين: نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع؛ مع ما يعقب من الحسرة والأسف؛ فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها؛ فهذا أحد النظرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت