فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 585

الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولابُدَّ ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا؛ فهي كما قال سبحانه: {وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} ؛ فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة، وهذا يدل على ضعف الإيمان وضعف العقل والبصيرة؛ فإن الراغب في الدنيا الحريص عليها المؤثر لها إما أن يصدق بأن ما هناك أشرف وأفضل وأبقى، وإما لا يصدق؛ فإن لم يصدق بذلك كان عادمًا للإيمان رأسًا، وإن صدَّق بذلك ولم يؤثره كان فاسد العقل سيئ الاختيار لنفسه.

أساس كل خير أن تعلم ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن؛ فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمة الله فتشكره عليها، وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك، وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فأصله خذلانه لعبده، وهذا بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجوء والرغبة والرهبة إلى الله؛ فمتى أعطي العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يُفتح له ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه، وكل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه؛ لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت