يعتمدون على ما جاء به الرسول ولا يتلقون منه الهدى؛ ولكن ما وافقهم منه قبلوه وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه؛ فمن تدبر ما أخبر الله به رسوله رأى أنه قد وقع من ذلك أمور كثيرة، ومن زاد في الدين بشيء ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليس عليه الصحابة والتابعون فكأنما نَقَّص.
وعن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أُخْبِروا كأنهم تقالُّوها؛ قالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد. وقال أحدهم: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج. فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» . رواه البخاري. انتهى من الدرر.
فأما اشتمال الفاتحة على الشفاءين شفاء القلوب وشفاء الأبدان قال ابن القيم: فإنها عليه أتم اشتمال؛ فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب؛ فالضلال نتيجة فساد العلم والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما مِلاك أمراض القلوب جميعها؛ فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض