تَبَع لمحبة الله - فما الظن بمحبته سبحانه وهو سبحانه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته التي تتضمن كمال محبته وكمال تعظيمه والذل له، ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب وأسست الجنة والنار وانقسم الناس إلى شقي وسعيد، وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فليس كمحبته وإجلاله وخوفه محبة وإجلال ومخافة.
فالمخلوق كلما خفتَه استوحشتَ منه وهربت منه، والله سبحانه كلما خفتَه أنست به وفررت إليه، والمخلوق يُخاف ظلمه وعدوانه، والرب سبحانه إنما يُخاف عدله وقسطه، وكذلك المحبة؛ فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبال عليه وما يحصل له بها من التألم أعظم مما يحصل له من اللذة، وكلما كانت أبعد عن الله كان ألمها وعذابها أعظم.
وأما محبة الرب سبحانه فشأنُها غير هذا الشأن؛ فإنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها؛ فهو إلهها ومعبودها ووليها ومولاها وربها ومدبرها ورازقها ومميتها ومحييها؛ فمحبته نعيم النفوس وحياة الأرواح وسرور النفوس وقوت القلوب ونور العقول وقُرَّة العيون وعمارة الباطن؛ فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الذكية أحلى ولا ألذ ولا أسر ولا أطيب ولا أنعم من محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق