تدعوه إليه، ومصلحته تستدعي أن يكون مباحا تناوله، فمن تمام النصح والشفقة للمستفتي، أن يدله المفتي على الأمر المباح، الذي يكون عوضا عن الممنوع، وقائما في سد الحاجة مقام ذلك المحرم، وهو حين يسلك هذا المسلك، يكون مثله مثل طبيب الأبدان: يحمي العليل مما يضره، ويصف له ما ينفعه.
وقد جاءت أقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأحكامه بهذا، ففي الصحيح أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم [1] » ، كما يروي البخاري أنه (صلى الله عليه وسلم) منع عامله على خيبر من شراء الصاع من التمر الجيد بالصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح؛ فقال: «بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا [2] » .
وكان العلماء (رحمهم الله) يسلكون ذلك الطريق، ويتحرونه في فتاويهم"ومن تأمل فتاوى ابن تيمية، وجد ذلك ظاهرا فيها" [3] .
10 -مراعاة الحكم الشرعي الذي يتفق مع مقاصد الشريعة، وحمل المستفتي على الأخذ به: ومعلوم أن الذي يتفق مع مقاصد الشريعة، ما كان من الأحكام جاريا على المعهود والوسط بين الشدة والخفة؛ فلا يحمل المستفتي على الشديد، ولا يفتح له باب الخفة المفضي إلى التحلل من أحكام الشرع.
ودليل قولنا، أن من تتبع الشريعة في مصادرها ومواردها، وجدها تنحو المنحي الوسط في الأمور، وتقصد الاعتدال في كل ما يقوم به المكلفون من أعمال، فالخروج عن ذلك إلى التشديد والتخفيف المفرط، خروج عن مقصد الشريعة.
ثم إن ذلك مفهوم من أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه (رضي الله عنهم) ، والوقائع الصحيحة التي وصلت إلينا أخبارها مما لا يحصيه العد، تدل على صحة ما ذكر، ومن ذلك ما رواه البخاري وأحمد ومسلم من"أنه (صلى الله عليه وسلم) «رد على عثمان بن مظعون التبتل [4] » ، [5] وما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من"أنه (صلى الله عليه وسلم) «قال لمعاذ: أفتان أنت يا معاذ [6] » ، وما رواه البخاري من أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن منكم منفرين [7] » وما رواه البخاري [8] من أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: «سددوا وقاربوا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة [9] » . إلى غير ذلك مما يدل على أن الشريعة، قد بنيت على القصد والاعتدال، وروعي فيها اجتناب التشديد، أو التخفيف الذي يؤدي إلى التحلل من أحكام الإسلام.
ولما تقدم"كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء والراسخين [10] ."
(1) صحيح مسلم الإمارة (1844) ، سنن النسائي البيعة (4191) ، سنن أبو داود الفتن والملاحم (4248) ، سنن ابن ماجه الفتن (3956) ، مسند أحمد بن حنبل (2/ 191) .
(2) صحيح البخاري البيوع (2202) ، صحيح مسلم المساقاة (1593) ، سنن النسائي البيوع (4553) ، موطأ مالك البيوع (1314) .
(3) ابن القيم، أعلام الموقعين، 4/ 159.
(4) صحيح البخاري النكاح (5074) ، صحيح مسلم النكاح (1402) ، سنن الترمذي النكاح (1083) ، سنن النسائي النكاح (3212) ، سنن ابن ماجه النكاح (1848) ، مسند أحمد بن حنبل (1/ 183) ، سنن الدارمي النكاح (2169) .
(5) أبو البركات بن تيمية، منتقى الأخبار، كتاب النكاح.
(6) صحيح البخاري الأدب (6106) ، صحيح مسلم الصلاة (465) ، سنن النسائي الإمامة (835) ، سنن أبو داود الصلاة (790) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (986) ، مسند أحمد بن حنبل (3/ 308) .
(7) صحيح البخاري الأذان (702) ، صحيح مسلم الصلاة (466) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (984) ، مسند أحمد بن حنبل (4/ 118) ، سنن الدارمي الصلاة (1259) .
(8) الصحيح، كتاب الإيمان.
(9) صحيح البخاري الإيمان (39) ، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5034) .
(10) الشاطبي، الموافقات، 4/ 258.