الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: معشر الإخوة: كم ابتلينا واختبرنا فرسبنا في الابتلاءات والاختبارات! كم منا من شخص ابتلي فلم يقل ما يرضي الله عز وجل، ولكن رب العزة سبحانه وتعالى فتح باب التوبة للتائبين، فتح بابًا لا يغلق لمن أراد أن يتوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن للتوبة بابًا مفتوحًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) ، فجدير بكل من رسب في هذا الاختبار، أو لم يقم بشكر نعمة أنعم الله بها عليه أن يرجع إلى الله، أن يرجع إلى الله مستغفرًا أواهًا منيبًا، فالله سبحانه وتعالى يحث كل مذنب أن يرجع إليه، قال تعالى -وانظر إلى هذه الآية الطيبة الكريمة ذات المعاني العظيمة، التي عدها بعض أهل العلم من أرجى الآيات في كتاب الله-: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:110] ، فأي آية في الحسن بعد هذه الكلمات؟ فيا معشر الإخوة: أحبوا ربكم كما يحبكم ربكم، ربكم سبحانه يحبكم ويصلي عليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، فاشكروه واحمدوه واستغفروه، وتدبروا آياته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب:41 - 42] ، ثم قال بعدها في الآية التي تلتها: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43] ، فكأن معنى الآية -والله أعلم-: كما أن الله سبحانه وهو في السماء مستوٍ على العرش، يصلي عليكم، وملائكته يصلون عليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور فبالمقابل اذكروه ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرة وأصيلًا، فإنه سبحانه وتعالى بالمؤمنين رحيمًا.
فجدير بكم -معشرة الإخوة- أن تقابلوا نعم الله بالشكر، وتقابلوا ابتلاءات الله أيًا كانت أنواعها بالصبر؛ ليجد ربكم سبحانه الواحد منكم صابرًا من أهل الفضل والصلاح: {نَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44] ، فكل من ابتلي بالضراء عليه أن يكون في عداد الصابرين، وكل من ابتلي بالسراء عليه أن يكون من الشاكرين.