وعليك إذا خاطبت الناس أن تثير الكامن فيهم من خير، وهذا باب قد تقدمت مباحثه مرارًا، فإن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [الإسراء:3] أي: يا ذرية الصالحين المؤمنين المحمولين مع نوح في الفلك؛ لأن المحمولين مع نوح كانوا مؤمنين، فكونوا صالحين مؤمنين كآبائكم، ونحو ذلك قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة:40] أي: يا أولاد النبي الصالح والنبي الكريم إسرائيل كونوا صالحين كأبيكم إسرائيل صلى الله عليه وسلم، ونحوه قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) )أي: يا من آمنتم بي، وصدقتم رسلي، فهذه أساليب تحيي خصال الخير في القلوب، فتذهب إلى رجل فتقول له: يا ابن الشجاع! الذي بارز الأبطال، أبوك كان شجاعًا وأخوك كان مغوارًا، وجدك قتل في سبيل الله، فتقدم وبارز الأبطال، وأحيي مجد آبائك وأجدادك، فيقبل على القتال مندفعًا إليه.
تذهب إلى آخر وتقول: يا ابن العلماء! أبوك كان عالمًا، وجدك كان فقيهًا، وأخوك كان قارئًا لكتاب الله، فأقبل على العلم، فحينئذٍ يقبل إحياء لمجد آبائه، وإحياء لمجد أعمامه وإخوانه.
تذهب إلى ثالث فتقول: يا ابن المحسنين! تصدق، أبوك أنشأ مسجدًا، وعمك أنشأ مدرسةً، وخالك أنشأ مستشفى، فأقبل وتصدق إن الله يجزي المتصدقين، فيقبل حينئذٍ ويتصدق.
وشتان ما بين مثل هذا القول، وآخر مسموم محموم يقول: يا ابن الجهلاء! ويا ابن الأغبياء! ويا ابن البخلاء! فماذا عساك أن تجني من رجل قلت له: يا ابن البخلاء! من صدقة؟! ماذا عساك أن تجني من رجل قلت له: يا ابن الأغبياء! أقبل وتعلم؟! أكيد أنه سينفر عنك وسيفر منك، فعليك حينئذ أن تهيّج مشاعر الناس لفعل الخير، وأن تذكرهم دائمًا بفعل الخير.
وعليك كذلك أن تستعمل عبارات تلفت أنظار الناس إليك، إذا كان ثَمّ أمر تريد بثه في عموم الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ جرير بن عبد الله في حجة الوداع: (يا جرير! استنصت الناس -أي: أسكتهم-، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم رافعًا صوته: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) .
لك أن تذكر الناس أيضًا مع رفع الصوت وتضمِّن المسألة شيئين: رفع الصوت، مع التذكير بالخير، كما قال العباس للأنصار يوم حنين: يا أصحاب سورة البقرة! بأعلى صوته، يا من بايعتم تحت الشجرة!.
فيذكرهم بالمناقب التي لهم خاصة، فسورة البقرة نزلت على رسول الله في المدينة، فاختص بها الأنصار، واختصوا بالبيعة أيضًا مع غيرهم، أي: كان لأغلبهم فضل في البيعة تحت الشجرة، فخاطبهم العباس بذلك: يا أصحاب رسول الله! يا أصحاب سورة البقرة! يا من بايعتم تحت الشجرة!.
بصوت مرتفع غاية الارتفاع، وقد كان العباس مشهورًا بالصوت المرتفع، حتى قالوا: لقد زجر أبو عروة الأسد بصوته المرتفع رضي الله تعالى عنه.
لك أن ترفع الصوت أحيانًا، وإن كان الأصل هو التوسط في الصوت، لا ترفع الصوت ولا تخفض إلا إذا دعت الضرورات لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة من الغزوات، ورأى الناس يتوضئون ولا يحسنون الوضوء، فيتركون الأعقاب بلا غسل، فنادى بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار) .