من العلماء من ذكر بعض المباح من الكذب بناءً على حديث النبي عليه الصلاة والسلام؛ حيث رخص في الكذب في ثلاثة مواطن: الكذب في الحرب؛ إذ الحرب خدعة، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين حيث تذهب إلى فلان فتقول له: فلان ما قال فيك إلا خيرًا، وقال فيك كلامًا طيبًا وتلتمس أي كلمة طيبة خرجت من في خصمه حتى تصلح فيما بينهما، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرًا أو ينمي خيرًا) .
لكن هناك قوم يذهبون إلى الإفساد بين الناس بالكذب والخيانة، وقوم يفسدون الزوجات على أزواجهن غدرًا وخيانة، فيكون هناك خلاف بين زوج وزوجه، ويدخل رجل مرتديًا ثوب الإصلاح وثوب الحريص المشفق على الزوجين، يريد أن يدخل -بزعمه في الظاهر- ليصلح بين زوجين، وفي باطنه يسعى سعيًا حثيثًا لتدمير الأسرة حتى يتزوج هو تلك المرأة التي تطلق، فهذا ملعون، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها) ، فهو يسعى سعي الواشين المكرة المفسدين الظلمة للإصلاح في الظاهر وفي ثنايا كلامه يقول لزوجته: اصبري عليه فإن فيه كذا، ويطعن بما يريد تحت مقولة: (اصبري عليه) ، ويسرد كل العيوب التي فيه، عياذًا بالله.
فأنى يبارك لمثل هذا المفسد؟ فالكذب شرع للإصلاح، ولم يشرع الكذب للتفريق بين الزوجين، ألا فليستبشر هذا بأنه من ورثة هاروت وماروت، ومن جند هاروت وماروت اللذين يفرقون بين المرء وزوجه، فليبشر من كان على هذه الخصلة الذميمة للتفريق بين الأحبة، وللتفريق بين الزوجين، ولتشتيت الأسر بالطلاق، فليبشر هذا بأنه من سرايا إبليس الذين يبثهم لفتنة الناس، وأنه أقرب جنديٍ إلى إبليس؛ فإن إبليس يضم من فرق بين الزوجين ويدنيه ويقول: أنت أنت أي: أنت الرجل أنت الرجل.
فللإصلاح بين الزوجين أن يكذب الرجل على زوجته لإرضائها، لا بوعد وإخلاف وأكل حقوق وتضييع حقوق، وإنما يبالغ لها -مثلًا- في وصف حبه لها، وتبالغ له هي الأخرى في وصف حبها له، ويبالغ في وصف جمالها أمامها، وتبالغ في وصف رجولته أمامه، فالكلمة الطيبة صدقة تطمئن القلب وتخمد الشيطان، فالكذب يباح في ثلاثة مواطن: في الحرب، وبين الزوجين، وللإصلاح بين الناس.
وقد قال بعض أهل العلم: إن هناك صدقًا مذمومًا، وفي الحقيقة لا نوافق من قال بأن هناك صدقًا مذمومًا، فالصدق كله خير، وإن كان معنى كلامهم صحيح، كاغتياب الناس وإن كان فيهم ما تقول إن كنت صادقًا فيما تخبر عنه، كأن تذهب إلى شخص وتقول له: فلان قال فيك كذا وكذا وكذا وأنت صادق، لكنك مذموم تأكل النتن، وتأكل الجيف، وتأكل لحم أخيك ميتًا، وإن كنت صادقًا في نقلك، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغيبة فقال رجل: (فإن كان في أخي ما أقول يا رسول الله؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) .
ألا فالزموا الصدق يا عباد الله، وادعوا ربكم أن يحشركم مع الصديقين، واستغفروه إنه كان غفارًا.