فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 802

وقوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186] ، هذا يُشكل على من لا فقه له، فيقول: كيف يقول الله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ؟! وكيف يقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60] ، وهاأنذا قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجب لي؟! فكيف يوفق بين وعد الله بالإجابة وبين تخلف الإجابة في الظاهر عن كثير من الداعين؟! أجاب العلماء على ذلك بعشرة أجوبة وأزيد، فمن هذه الأجوبة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال -فيما أخرجه أحمد في المسند بسند حسن-: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحم إلا أعطي بها إحدى ثلاث: إما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يعطى مسألته، وإما أن تدخر له الإجابة إلى يوم القيامة) ، فتقول: يا رب! ارزقني، قد ترزق عاجلًا غير آجل، وقد تدخر لك الإجابة إلى الآخرة، وقد تكون هناك مصيبة ستحل بك فصرفها الله عنك، هذه ثلاثة أجوبة.

الجواب الرابع: أن الإجابة مقيدة بمشيئة الله، كما قال تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} [الأنعام:41] ، فجعلها مردودة إلى مشيئة الله.

الوجه الخامس: أنك تسأل ربك مسألةً ويعطيك ربك خيرًا من هذه المسألة وأنت لا تشعر، قد يقول قائل: يا رب! زوجني فلانة، يرى أن في زواجه منها خيرًا كثيرًا، كما يصنع الذين أولعوا بفتاة أو بامرأة من النساء، ووقع الأمر بهم إلى الحد الذي جعل الشاعر الذي أحب امرأة سوداء يقول: أحببت لحبها السودان حتى أحببت لحبها سود الكلاب!! أحب الكلاب السوداء من أجل أن محبوبته سوداء! انظروا كيف أن الأمر وصل به إلى هذا الحد! كل يوم يدعو: يا رب! زوجني فلانة، وربنا سبحانه يختار لك الخير، فيعلم أن زواجك من هذه المرأة شرٌ عظيم وأنت لا تشعر، قد تفتنك عن دينك، هذا شيء، وقد تتزوجها وتصاب بمرض من جراء زواجك بها، قد تتزوجها فتكون عقيمًا، قد تتزوجها فلا تحفظ لك فراشك، قد وقد، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] .

قد يقول شخص: يا رب! يسر لي (فيزة) إلى الكويت أو إلى السعودية، وطول اليوم يدعو، وربه قد ادخر له رزقًا في هذه البلاد، ويريد حجبه عن السفر لنيل هذا الرزق، ويعلم أنه قد يسافر وقد يصاب بحادث أليم فيرجع مهشم الرأس، مقطع الأوداج، وقد كُسرت عظامه، وهشم وجهه والعياذ بالله! فربنا يختار الأنفع لنا، هو يعلم سبحانه وتعالى ونحن لا نعلم.

الوجه السادس: قد تتأخر الإجابة كي تكثر من الدعاء فتثاب، فإنك كلما قلت: يا رب! ارزقني فإنك تثاب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الدعاء عبادة) ، ولذلك تأخرت الإجابة عن بعض أهل الفضل والصلاح أزمنة طويلة جدًا، تأخرت الإجابة عن أيوب عليه الصلاة والسلام فلبث في بلائه ثمانية عشر عامًا، حتى رفضه القريب والبعيد إلا اثنان من أبناء عمومته.

(قال أحدهما يومًا للآخر -لما طال أمد المرض بأيوب عليه السلام-: ترى يا هذا! لقد أذنب أيوب ذنبًا لم يذنبه أحد من العالمين، قال: لماذا؟ قال: إنه مكث في بلائه ثمانية عشر عامًا وهو نبي ويدعو ولا يستجاب له، فهذا يدل على أنه صنع شيئًا لا نعرفه نحن إنما يعرفه الله، فما صبر الرجل حتى ذهب إلى أيوب وأخبره، فقال أيوب عليه السلام: الله أعلم بما تقولان، لكن الله يعلم أني كنت أمرُّ بالرجلين يختصمان في مال، فأكره أن يذكر الله سبحانه وتعالى في كذب، فأذهب إلى بيتي وآتي بمال من مالي فأدفعه إلى الخصم حتى لا يقسم بالله كاذبًا، الله أعلم بما تقولان، وحزن حزنًا شديدًا عليه السلام لهذه المقالة، ودعا ربه: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83] .

فخرج يومًا مع زوجته لقضاء حاجته، فانتظرته زوجته وقد كان حييًا عليه السلام، فذهب بعيدًا عنها فأوحى الله إليه بقوله: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص:42] ، فضرب برجله فخرج الماء، فاغتسل وشرب فأذهب الله ما بخارجه وما بداخله من داء، فرجع إلى امرأته في أحسن ما يكون، فقالت له: أيا عبد الله! أما رأيت نبي الله ذاك المبتلى؟ فوالله! لقد طال عليّ المقام في انتظاره، فقال لها: أنا هو، قالت: اتق الله! ولا تهزأ بي ولا تسخر مني، فقال: أنا هو، فكررت عليه المقولة وقالت: والله! ما رأيت أحدًا شبيهًا به منك إذ كان صحيحًا، قال: أنا هو فحمد الله سبحانه وتعالى على ما كان).

الشاهد: أن البلاء لبث به زمنًا طويلًا وربه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه حاله، ولكن كل دعوةٍ دعا بها أبوب أثيب عليها، ومن ثم جاءت التزكية والشهادة، ليست تزكية مزورة، إنما تزكية من رب العالمين، قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44] ، ثلاث تزكيات من الله سبحانه وتعالى بعد هذا الجهد والعناء الطويل: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44] ، {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص:25] .

كذلك تأخرت الإجابة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها شهرًا أو يزيد؛ وذلك عندما قذفت بما قذفت به أم المؤمنين عائشة، ولا شك أنها كانت تدعو ربها، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام وأهل الإسلام كذلك كانوا يدعون ربهم أن يكشف هذه الغمة، فما جاء الخبر إلا بعد شهر من تهوك المتهوكين وإفك الأفاكين، والرسول يغتم لذلك غمًا شديدًا، والكل يدعو بكشف الغمة وزوالها، ولكنَّ الجواب تأخر والمصيبة ازدادت، ومصيبة أخرى وهي: أن الوحي ينقطع عن بيت رسول الله من النزول ويتأخر؛ فيتخذ ذلك أهل النفاق ذريعة للطعن في رسول الله، وفي بيت النبوة، ويقولون: ما انقطع الوحي إلا أن البيت تدنس، فبعد ذلك كله يأتي الفرج، عائشة تقول: والله! ما كنت أطمع في أكثر من أن يري الله نبيه رؤيا في منامه يبرئني الله بها، وأيضًا تقول عائشة: لشأني في نفسي أحقر من أن ينزل فيّ وحيّ يتلى، ولكن فضل الله أوسع، فلا شك أن في ذلك كله خيرًا لأهل الإسلام، كما قال تعالى: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} [النور:11] .

فأحيانًا تتأخر الإجابة حتى تدعو وتدعو وتدعو، فتثاب وتثاب وتثاب، فكما أن المصلي يثاب والمتصدق يثاب والمعتمر يثاب والذاكر يثاب، فكذلك الداعي يثاب، فالله يختار لك أفضل مما تختاره أنت لنفسك والله سبحانه وتعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت