فحديث أبي سعيد متعلق بالمنكر وليس فيه ذكر لفاعل المنكر، قال (من رأى منكم منكرًا فليغيره) ، يعني ليغير المنكر، أما الواقع في المنكر فهذا يختلف الحال فيه.
مقامه يحتاج إلى تفصيل:
الحال الأولى أن يكون المُنكِر للذي رآه من أهل الحسبة، يعني من نواب الوالي في الإنكار، فهؤلاء حالهم غير حال عامة الناس، فهذا لَهُ أن يعاقبه بتخويل السلطان لَهْ، بتخويل ولي الأمر لَهْ، لَهُ أن يعاقب برؤية المنكر، إذا رأى الفاعل للمنكر له أن يعاقب بحسب ما جُعِل له من السلطة في ذلك.
أما عامة الناس، يعني غير أهل الحسبة يعني مثل ما نقول الآن غير رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير الهيئة، فهؤلاء في حقهم لا بد أن يُفَرِّقُوا بين المنكر وبين فاعل المنكر.
المنكر يجب إنكاره وفاعله - يعني من قام به المنكر - فهذا المقام فيه مقام نصيحة ?ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ?.
مثال ذلك إذا رأيت مع أحد المسلمين رأيت معه خمرًا أو رأيت معه أمرًا منكرًا أو رأيته يمارس أمرًا منكرًا، فإنكار المنكر بإزالته، بتغييره باليد إن أمكن أو باللسان، أما صاحب المنكر الواقع فيه فهذا تستعمل معه الرفق والأناة وما هو أنفع وأصلح له.
ولهذا قال العلماء إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يُشترَطُ له ثلاثة شروط:
الأول قبل أن يأمر وينهى، وذلك الشرط هو العلم.
والثاني حين يأمر وحين ينهى، وذلك الشرط هو الرفق.
والثالث بعد أن يأمر وبعد أن ينهى وهو الصبر.
فثّمَّ ثلاثة شروط:
علم قبل ورفق مقارن وصبر بعده كما قال ?وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ? ?يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ? فلا بد من الصبر بعد الأمر والنهي، لأن الآمر والناهي يخالف ما يشتهيه الخلق، أكثر الناس ولو كانوا من المسلمين تبع لأهوائهم، فيحتاج من يأمر وينهى إلى الصبر، ولا بد من رفق مقارِن فهذا رفق بمن عمل المُنْكَرْ.
والإنكار للمُنْكِرِ نفسه هذا لا بد فيه من قوة (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده) ما يكون فيه مثل ما يقول أهل العصر مجاملة في المُنْكَرِ نفسه.
أما فيمن فعله فهذا تُهادِيْهْ وتدعوه بالتي هي أحسن.
رأيت معه شيء تكسر المنكر الذي معه أو تُقَطِعُهُ أو تحجز بينه وبينه بحسب ما تقتضيه المصلحة.
إذا كان كذلك فتعلق المُنْكَرْ بفاعل المُنْكَرْ يحتاج أيضًا إلى تفصيل:
ذلك أن المُنْكَرَ مع فاعله تارة يكون منفكًا وتارةً يكون ملازمًا:
فإن كان منفكًا بمعنى أن المعصية منفكة عن فاعلها أو المنكر منفك عن فاعله، مثل ان تدخل على أحد - نسأل الله لنا وللمسلمين العافية والسلامة والهداية - تدخل على أحد فتجد أمامه كأس خمر أو تجد انه يسرق أو تجد أن أمامه صورة عارية ينظر إليها ونحو ذلك، فهذه الجهة فيها منفكة لأن كاس الخمر منفصل عن من يريد أن يشربه.
الصورة العارية منفصلة عن من يريد أن يشاهدها.
والمال الذي يريد أن يسرقه منفصل عنه.
فهذا إنكار المنكر بأن تغير هذا الذي بين يديه - يعني المنكر - بيدك فإن لم تستطع فبلسانك بمعنى تحجزه عن ذلك باللسان، أو تكسره بيدك إن كان ذلك بالامكان.
من كان مُريدًا لإتيان هذا المنكر فهنا إذا كان منفكًا يكون معه النصيحة والرفق والأناة.
فالمُنْكَرُ نفسه لا تكن رفيقًا به، وأما من وقع فيه فلا بد فيه من الرفق لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نُزِعَ من شيء إلا شانه) .
هذا بحسب تحقيق المصلحة فإن كانت المصلحة هنا هي أن تكون رفيقًا في إنكار المنكر ورفيقًا أيضًا في تعليم أو دعوة أو نصيحة من فعل هذا المنكر أو من يريد أن يواقعه فإن تحقيق المصلحة ودرء المفسدة في هذا المقام لابد منها، ولكن الأصل أن الإنكار يكون بقوة إلا إذا كان ثَمَّ مفسدة ستكون فإنك تكون رفيقًا في الأمر والنهي وفي إنكار المنكر، والإنكار على من واقعه.
الحالة الثانية أن يكون المنكر ملازمًا لصاحب المنكر مثل أن يكون حالقًا للحيته أو أن يكون مسبلًا لإزاره أو أن يكون لابسًا لذهبٍ أو أن يكون سكرانًا أو ما شابه ذلك، فهذه فيها اختلاط المنكر بفاعله، لا تستطيع أن تغير فتجعل الحليق ملتحيًا ولا أن تجعل المسبل مُشَمِّرًا، هذا ليس مستطيع، فيكون هنا الإنكار باللسان (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه) يكون الإنكار باليد لأهل الإختصاص، لمن له ولاية أو باللسان، هذا ما يكون هناك فرق بين الفاعل والمنكر، فيكون هنا الرفق والأناة في الأمر والنهي.
في قوله عليه الصلاة والسلام هنا (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده) عرفنا معنى رأى وأن الرؤية هنا بالبصر أو بالسماع المحقق، أما إذا سمعت قيل قال هذا لا بد فيه من التثبت ثم النصيحة، والنصيحة تكون سرًا والأمر والنهي يكون بحسب الحال التي ذكرتها) انتهى من شرح الواسطيه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)