ولو ألقيت نظرة عجلى على الطريقة التى كون المسلمون بها أفكارهم عن الدين وعن الدنيا في القرون الأخيرة لرأيت أساليب الجاهلية عادت إلى الأذهان في ميدان العلوم الشرعية والكونية جميعا. الأهواء والأوهام التى لا عمد لها من عقل أو نقل هى التى تروج في كل ناحية، فلا جرم هان المسلمون وتخلفوا ...
قلنا: إن النظر والتأمل والتفكير في الكون المادى هى مصادر اليقين التى لفتنا القرآن إليها. وهى خطة المنطق الحديث في بحثه عن الحقائق واستكشافه لقوى العالم وأسراره. إلا أن التدين الفاسد غمط هذا المنهج، وظلم السمع والبصر والفؤاد واشتغل بضروب من الفكر أحسن ما يوصف به أصحابها قول الله عز وجل: (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) إن العلم المادى يتعرف على الخواص الكامنة في الأشياء. ويتعرف على الروابط الأزلية الثابتة بين بعضها والبعض الآخر، ويدون ذلك في قوانين مضبوطة خالدة ... وخطواته القائمة على الحس الدقيق والعقل الواعى تؤسس يقينا يستحق كل احترام ... ونحن ما عرفنا الله معرفة اليقين إلا بهذا المنهج من التفكير. المنهج الذى هدانا إليه القرآن وبصرنا بأسبابه في الأرض والسماء .. 083