الكلام عن أركان الإيمان مبسوط الأطراف في كتاب الله وسنة رسوله. وهو كلام يمتاز بالوضوح والجمال، ومن هنا تجاوب مع العقل والقلب، وفتح له الإنسان أقطار فكره وعاطفته ... والواقع أن حديث القرآن الكريم عن الله جل شأنه لم يتسم فقط بالصدق العقلى، وقوة الحقيقة التى تتساقط من حولها الشبهات، بل اتسم أيضا بصفاء الجوهر، صفاء يستهوى الأفئدة ويشوق الأنفس. ولذلك كان الجيل الأول الذى اعتنق الإسلام يؤمن بالله الواحد إيمانا راسخا، ويحبه حبا عميقا .. كان يفقه وحدانيته عن اقتناع لا ريب فيه. وكان يقتفى مظاهر هذه الوحدانية في أرجاء الأرض والسماء وما بينهما، فيبهره الجمال الإلهى المسكوب على كل شئ. ثم كان يطبق منطق هذا التوحيد الأعلى على علائقه بأصناف الناس، فلا يرغب ولا يرهب، ولا ينكص ولا يجرؤ إلا بوحى من إيمانه الخالص ... والأمة التى تنبعث عن عقائد متغلغلة الجذور في كيانها لا تعرف وهنا ولا هوانا. وكذلك عاش أسلافنا وساروا، وشادوا حضارتهم، وأعلوا البناء. كان إيمانهم بالله يندفع مع الدماء في عروقهم ويختلط مع الهواء في زفيرهم وشهيقهم. وكان تصديقهم بالقدر وقودا يجعل لزحوفهم قوة الإعصار، فما تردهم عقبة، ولا تثنيهم خسائر، ولا يذهلهم عن غاياتهم ترح أو فرح. 073