ويتبع الكفر بالحياة وجهل وظيفة المرء فيها، الكفر بالإنسان نفسه، وبخس قيمته وتشويه حقيقته .. ! فإن المتدين المنحرف يسئ تصور الملكات والشهوات الانسانية، وينظر إليها نظرة ازدراء ... وقد ينحصر تقويمه للإنسان في أنه تخلق من نطفة قذرة، وينتهى إلى جيفة مذرة، وهو بينهما حامل بول وعذرة ... ! صحيح أن الناحية الحيوانية في الإنسان لا تخرج عن هذا النطاق. ولكن الإنسان ليس حيوانا فقط، فإن الله ـ بنفخ الروح فيه ـ أنشأه خلقا آخر. خلقا مكرما بما أودع في بنائه المعنوى من خصائص وأسرار ... خلقا إذا ما بلغ نماءه الصحيح، كما تنمو الشجرة من بذرتها السوية، فاق الملائكة، وحلق في الملأ الأعلى. وربما كانت الحملة على الإنسان كسرا للغرور الذى يشيع بين جم غفير من الناس، وكفكفة لشرور الكبر والاستعلاء التى تفسد الأخلاق الخاصة والعلاقات العامة، وتهيئة لعوامل التربية التى تستهدف تهذيب الإنسان، بإزالة ما يشينه، وتنمية ما يزينه .. والإنسان بلا ريب محتاج إلى الحساب الدائم، والرقابة الدقيقة. ولفته إلى عيوبه كى يتركها، خير لا شك فيه .. ! إلا أن الأمر انقلب ـ مع المربين الأغرار ـ إلى الضد. فإنهم لم يفلحوا في إزالة الزوائد الضارة وحسب، بل اجتاحوا الأصل نفسه. 028