عندما حاولوا قتل الغرور في إنسان مغرور، بلغوا في الجور حدا جعله يفقد الثقة بما عنده .. فذهب الكبر. ثم ذهبت أيضا عزة النفس. ثم ذهبت كذلك الشخصية الحرة المستقلة ... والعبارة الشائعة في كتب التصوف أن المريد بين يدى شيخه، كالميت بين يدى غاسله!! وهم يعنون بذلك الطاعة المطلقة. إلا أن هذه الطاعة الغريبة محقت الإرادة الحرة، والتفكير الحر معا. وقرأت أن أحد الصوفية كان يمشى في درب موحل، استطاعت أقدام المارة أن تخط على جانبه طريقا يبسا، وبينما كان الصوفى ينقل أقدامه في الممر اليابس إذ جاء كلب يريد اجتياز الدرب. فبلغ من تواضع الصوفى ـ أو من احتقاره لنفسه ـ أن غاص بأقدامه في الوحل، وأن أفسح الطريق الجاف للكلب، وقال له: مر بسلام!. وهذه القصة تدون ليتعلم منها من شاء حرمة الترفع على حيوان. بل لو أحس بأنه قد تواضع في هذا التصرف فهو في الحقيقة متكبر ـ هكذا يقولون ـ لأن التواضع الحقيقى لا يكون مع وجود إحساس بالتنازل!! ونحن نعد التواضع فضيلة محمودة، بيد أننا لم نجن من هذا الأسلوب في غرسها، إلا خلق جيل موطئ الظهر لكل معتد، وتكوين أناس يحتقرون أنفسهم من الصميم، ومن ثم لا يصلحون لعمل عظيم .. لابد ـ لكى تتم رسالة الإنسان في الحياة ـ من احترام ملكاته، وإقرار شهواته .. لابد من إنماء مواهبه العالية، وترك رغائبه الطبيعية تناسب وفق مقتضيات الفطرة السليمة ... لابد من تهيئة الجو الخاص والعام كى يسلم الكيان البشرى كله من العاهات العارضة والسدود العائقة ... 029