كان حريا بن ـ نحن المسلمين ـ أن نكون أسبق أهل الأرض إلى التمرس بعلوم المادة والبراعة في فهمها والنفاذ إلى أسرار الكون من خلالها .. ذلك أن قرآننا هو الكتاب الفذ في العالم الذى يلح على قرائه أن يفكروا ويعقلوا وينقلوا أنظارهم بين فجاج الأرض وآفاق السماء .. أجل ... إنه الكتاب الفذ الذى يجعل الإيمان أول نتائج العلم، والذى يحض على النظر في عالم النبات والحيوان والجماد، لأنه لا يخشى عقبى هذا النظر، بل يرى أن هذا النظر أداة لمعرفة الله وخشيته ... والمنطق الحديث الذى نهض على مهاده صرح العلم المعاصر لا يطلب من أولى الألباب أكثر من هذا النظر الدقيق والفكر الوثيق .. ولأمور كثيرة لم يستقم تاريخنا على هذا المنهج، فقد بدأ أول أمره حصيفا فيما يأخذ ويدع، حذرا فيما يكذب ويصدق. ثم ضلله الاشتغال بالفلسفات الدخيلة، فاستهلك قواه في بحوث ما وراء المادة، وهو إنما أمر بالبحث في المادة لا فيما وراءها ... ثم زاده خبالا أنه خلط بين مناهج البحث في عالم الغيب والشهادة، فلم يرجع بعد عناء طويل إلا بما يضر ويسئ ... ولنشرح هذه النقطة، فمصادر العلم الإنسانى ينبغى أن تكشف بجلاء، حتى لا نخلط بين بعضها والبعض الآخر .. إن شئون الدنيا وعلوم الحياة مصدرها الأول والآخر العقل، والسمع، والبصر ... أما علوم الشريعة وحقائق الأمور الإلهية والأخروية فمصدرها الأول والآخر هو الوحى الأعلى. 077