ربما تساءلت: ما معنى إقرار الشهوات، وتركها تنساب؟؟ والجواب: أن الحياة على ظهر الأرض لا تتصل مواكبها، ولا يطرد نشاطها، ولا يرتفع مستواها وتزدهر حضارتها إلا بوقود من هذه الشهوات المتقدة .. أترى بقاء الجنس الإنسانى مكفولا بشئ آخر وراء هذه الغريزة الكامنة في الذكر والأنثى .. ؟ أترى اتساع العمران واطراد مسيره، إلا آثارا لجملة من الطبائع المستترة وراء نشاط الناس وأمانيهم ... ؟ غاية ما هنالك أن الدين ينظم عمل هذه الطباع القوية، ويحسن توجيهها إلى أهدافها.! فبدلا من أن تتحول مياه النهر إلى فيضان مدمر يهلك الحرث والنسل، تخرج منه في قنوات محكمة، وترع منظمة، ومواعيد معلومة. وتتحكم في ضبطها وتوزيعها سدود وخزانات ... وبهذه الوسيلة تتحول الصحارى إلى حقول زاهرة، وترتقب منها الجنى الحلو، من الحبوب والفواكه .. ! كذلك يصنع الإسلام بالغرائز الإنسانية. إنه لا يقتلها، لأنه إن قتلها حكم على الحياة الدنيا بالفناء السريع. ولكنه يحول انطلاقها الفوضوى إلى انسياب دقيق رقيق. والقيود التى يضعها عليها ليست لتعوق وظيفتها وإنما لضمان هذه الوظيفة، بإبعاد الشطط والغلط عنها .. وعندما حرم الإسلام أنواعا من الأطعمة، فقصده من التحريم صيانة الجسم لا مصادرة الطبيعة، وترشيد الجوع. وعندما حرم أنواعا من الوقاع فقصده تهذيب النزوع الحيوانى لا إبادة الجنس الإنساني وإشاعة الرهبانية ... وعندما حرم أنواعا من فنون الأثرة فليس ذلك لخلق إمعات ونكرات تزحم البر والبحر، وإنما لإيلاف الجماعة البشرية أن تحيا متعاونة متعارفة لا متدابرة متناكرة ... 030