الصفحة 30 من 172

والإسلام من هذه الناحية يوصف بأنه مادى كما يوصف بأنه روحى. وليس أحد الوصفين ألصق به من الآخر، فكلاهما يومئ إلى جزء من حقيقته. وكل محاولة لسحق الشهوات وتشتيت شملها فهى عطل في جوهر الإنسان، وعجز عن أداء رسالته ... أما الملكات العليا في الإنسان فمحور نشاطها أن الإنسان سيد في هذا العالم. وعناصر سيادته تتكون من تجاوب نفسه مع هذا الكون الكبير. وذاك سر ازدحام القرآن الكريم بالآيات التى تأمره بوضع يده على مملكته، وتحضه على إجالة النظر فيها وتغبير القدم في أرجائها. والمجتمع الرشيد هو الذى يهيئ للنفس مجال التنفيس عن هذه السيادة، ويتيح لها فرص القوة والكمال. ذلك"وفى النفس البشرية استعدادان متقابلان: السلبية والإيجابية، وهما اتجاهان متعارضان، ولكنهما موجودان جنبا إلى جنب في هذا الكيان الإنسانى العجيب الذى خلقه الله على غير مثال. وكثيرا ما يؤتى البشر من سوء توجيههم في أحد هذين الاتجاهين أو في كليهما. فالدول الدكتاتورية تضخم جانب السلبية لتضمن السيطرة الكاملة على كل تصرف من تصرفات أفراد الشعب، محافظة على سلطانها الدكتاتورى. والدول الديمقراطية تبالغ في تضخيم جانب الإيجابية إلى درجة تبيح استغلال الفرد القوى لغيره من الناس استغلالا ظالما. كما تبيح كثيرا مما يسمونه"الحريات الشخصية"إلى حد يثير الفوضى. وهذا أو ذاك انحراف ينشأ من فساد المعايير، ثم هو بدوره يساعد على فساد هذه المعايير. ولقد نفذ الإسلام إلى هذين الخطين المتقابلين فصحح معيارهما بهمة فريدة تضع كل شئ في نصابه الحق، فتبدو الأمور طبيعية منطقية لا عوج فيها ولا انحراف. 031"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت