الصفحة 68 من 172

3 -وأما موقف المشرع في ميدان المعاملات، فإنه يختلف اختلافا جوهريا عن موقفه في كل من ميدان العقائد وميدان العبادات. إن الشريعة ليست هى التى أنشأت للناس صور التبادل والتعاون والتعامل، ولكنها جاءت فوجدت صورا يتعامل بها، فكان لها موقف منها، غير موقف الإنشاء والرسم، وغير موقف الإخبار والوصف، وذلك الموقف هو الإقرار، أو التعديل، أو الإلغاء، وهو الذى سميناه في أول هذا البحث:"أسلوب النقد المهذب". وهى لا تتدخل في هذا الميدان إلا بمقدار ما تحمى مثلها ومبادئها التى جاءت بها: من العدل، والتيسير، والرحمة، ودفع أسباب التشاحن والبغضاء، وربط أفراد المجتمع برباط من المحبة، والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان". إذن فالعلماء البصيرون بالإسلام، الفاقهون لمقاصده وغاياته، عليهم أن يمسكوا بدفة التشريع العام، وأن يسنوا من القوانين الملائمة للعصر ما يتمشى مع طبيعة ديننا ويوافق مثله العليا ... ولهم أسوة بالأئمة الأولين، فقد أشبعوا حاجات العصور التى عاشوا فيها، بل بلغ من رسوخهم في الفقه والفتوى أن تصوروا أمورا خيالية وحكموا فيها باسم الإسلام ... فكيف يعجز فقهنا اليوم عن توجيه الواقع وكشف غمته!؟ ذلك .. والفقيه المسلم في قيادته للجماعة أشبه بربان الباخرة. إنه قد يأمر بالاتجاه يمنة أو بالاتجاه يسرة، لا لأنه مغرم بالتناقض، بل لأن التيار الذى يواجهه يقتضيه الانحراف هنا أو هناك .. وهذا سر ما روى أن بعض الأئمة أفتى في الأمر الواحد بفتويين مختلفتين. إن الأصل الذى صدر عنه واحد، وان اختلف التشريع وتباينت الفتوى. قال الإمام الشهيد في رسالة له:"دعوت قومى أن يختاروا، أو بعبارة أصح وأوضح، أن يبروا بعهدهم مع الله ومع أنفسهم، فيقيموا دعائم حياتنا الاجتماعية في كل مظاهرها على قواعد الإسلام الحنيف. وبذلك يسلم مجتمعنا من هذا القلق والاضطراب والبلبلة التى شملت كل شئ، والتى وقفت بنا عن كل تقدم، والتى حالت بيننا وبين أن نتعرف الطريق السوي إلى 069

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت