2 -أما العبادات فهى تختلف عن العقائد في أنها انشاءات أنشأها الله تعالى، ورسم حدودها، وهيأها على صورة خاصة، وطلب من عباده أن يعبدوه بها. فالصلاة عبادة منشأة مؤلفة من أفعال خاصة وأقوال خاصة على ترتيب خاص. والصيام امساك عن الطعام والشراب وجميع الشهوات في زمان مخصوص. والحج مناسك معينة لها رسومها وأوقاتها وأمكنتها وأركانها وشروطها ... وهكذا .. ومن الواضح أنها ليست كالعقائد: أى ليست حقائق واقعية، مهمة المشرع أن يكشف عنها، وإنما هى صور ركبها وهيأها ورسمها وأنشأها بعد أن لم تكن. وهذا محض حقه باعتباره هو الإله المعبود، فمن حقه أن يشرع لعباده ما يعبدونه به، وعليهم أن يرجعوا إليه في معرفة ذلك كما وكيفا ومكانا وزمانا. ولهذا يقول أهل الشريعة في احدى قواعدهم المشهورة:"لا يعبد الله إلا بما شرع". فالأصل في العبادات والقرب أنها ممنوعة حتى يرد من الشارع ما يدل على طلبها، ويبين لنا هيآتها ورسومها الخاصة، ولا يجوز لأحد أن يؤلف عبادة من عنده، أو يتصرف في صورة من صور العبادة المشروعة، ثم يعبد الله بذلك، وفى هذا يقول القرآن الكريم ناعيا على المشركين: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) . وبهذا الأصل أبطلت البدع في الدين والعبادات وما يتصل بها، فكل من أراد القربة فعليه أن يتقرب إلى الله بما شرعه الله، ومن تقرب إليه بما لم يشرعه ـ ولو كان مظهره طاعة وقربة ـ فإنه مبتدع متلاعب بالدين. ومثل ذلك كما لو قال قائل: سأصلى الظهر خمسا بدل أربع، أو أصلى المغرب أربعا بدل ثلاث، أو أجعل الركعة الواحدة ذات ركوعين بدل ركوع واحد، أو اتجه إلى بيت المقدس، أو إلى المدينة بدل اتجاهى إلى الكعبة، أو أصوم شعبان بدل رمضان، أو نحو ذلك، فكل هذا افتئات على الدين وعلى حق المعبود في أن يرسم طقوس عبادته، ولا يرتضى سواها. 068