أما مئات الصفحات الباقية في القرآن الكريم فهى تستهدف دعم اليقين، وتثبيت شعبه في أعماق النفوس. والجيل الذى أنشأه القرآن من أربعة عشر قرنا لا يمتاز بشئ إلا بهذا السناء الذى تخلل جوهره من صدق علاقته بالوحى الأعلى ... إنه كان طرازا نقيا من البشرية الرفيعة، هبط على الدنيا يومئذ، وكانت ملوثة بركام فوق ركام من الدجل والسخف، والإثم والعدوان، فكان سيلا مطهرا غسل أرجاءها، ودلكها دلكا شديدا، وما زال بها حتى نقاها من رواسب الجاهلية الأولى التى ابتلى بها دهرا ... أما مسلمو اليوم فصلتهم بالقرآن لا تغسل من نفوسهم درنا بله أن يغسلوا هم أدران الآخرين. إنهم ـ كما شرحنا آنفا - اتخذوا القرآن مهجورا، وأقاموا في حياتهم حجابا كثيفا بين تعاليم القرآن، وبين ما يدعون وما يشتهون ... وهذا سر العجب العاجب في أن محطات الإذاعة بتل أبيب ولندن وباريس وواشنطون ... تستجيد الأصوات، وتملأ بها الاسطوانات وتديرها على آذان المسلمين، فيستمعون من مشاهير القراء إلى آيات كتابهم!! ... الكتاب الذى أحيا الأولين، ثم أمسى مفروضا الآن أنه لن يحرك الآخرين ... !! وإلا فلو علم السادة المذيعون أن هذه التلاوة سوف تنبه غافلا أو تنشط كسولا ما استقدموا لها أحدا، ولا أذاعوا منها حرفا ... إنهم يريدون تمويت العبيد لا إحياءهم.!! ذاك مصير الروح القرآنى الملهم البانى. صرخة في واد، ونفخة في رماد .. !! أما مصير الشرائع القرآنية الأخرى، فإن أكثرها معطل، بل أن العمل بأكثرها يعد ـ في نظر الأجيال التى خلقها الاستعمار ـ نكسة إنسانية، ورجعة إلى الخلف ... !! وذلك الإهمال المتعمد لجمهرة النصوص أو هى الإعزاز المنتظر لبقيتها. 056