يقول الله جل وعز: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) فإذا المسلمون يحسبون الرحمة المرجوة هنا شيئا يفيض من الآيات في مجلس القراءة، كما تنبعث الحرارة من الموقد أو كما تنسكب المياه من المنبع، ثم يحسبون هذه الرحمة ستعمل عملها تلقائيا في إسعاد البائسين وإفراح المحزونين. وهذا تصرف مقلوب، فالرحمة المرجوة من القرآن تجئ من تعرض الناس لمعانيه يلتمسون فيها مخرجا من الحيرة وقرارا من القلق. تجئ من تأمل القارئ والسامع في هذه الحكم البالغة التماسا لدواء يتداوون به، أو توجيه ينقادون إليه ... إنها لا تسيل في مجالس الأحياء والأموات فتصيب الغافلين وتنال المعرضين، كلا، إن رحمة القرآن الكامنة فيه يظفر بها أهل الوعى والتدبر والعمل. ولا غناء لمصحف في جيب، ولا لمصحف معلق على جدار ... !! ولا غناء في همهمة قارئ مذهول، ولا مطرق تملأ الأصوات أذنيه، ولا فقه عنده ... !! والقرآن يبنى الأفراد والأمم بطريقتين، إحداهما أعظم من الأخرى، الأولى صوغ الأنفس على معرفة الله، واستشعار عظمته، والتهيؤ لملاقاته يوم يقوم الناس لرب العالمين ... والأخرى، الأحكام المحددة التى فصلها، وطلب من عباده إنفاذها سواء في أحوالهم الخاصة، أم في شئون الأسرة والمجتمع والدولة ... وإنما قلنا: إن الأولى أعظم من الأخرى، لأن ضمانات الخير في مجتمع ما ليس في قيام بعض التشريعات، أو سيادة طائفة من القوانين الصارمة.! فربما أمكن احترام القوانين من ناحية الشكل، مع تشعب الفساد في الباطن ... والقرآن الكريم يعالج الأمم بما يوفر لها سلامة الجوهر، واستقامة الطبيعة، ومن ثم حفلت السور بفنون لا تحصى من العظات التى تقيم الحياة الباطنية على دعائم من التقوى والخشوع والإخلاص ... إن مادة القانون الشرعى في العقوبات الخاصة وشتى الأحكام الجزئية لا تستغرق بضع صفحات. 055