الصفحة 34 من 172

وما أشد جزع أحدهم لو أكرهته ضرورات العيش على النقلة من مسقط رأسه، إنه يعلن الحدثان ويشكو الأزمان ...

والإسلام ضد هذا الخلق الواهن، فهو يستحب أن يموت الإنسان بعيدا عن وطنه، نازحا عن داره .. إن الرجال حين تطرحهم النوى في الأقطار القصية، فإنما ذلك دليل علو همتهم وقوة عزيمتهم ... ولقد رويت عن النبى صلى الله عليه وسلم آثار تجعل موت الغربة شهادة في سبيل الله. وهذه الآثار- وان لم تبلغ درجة الأحاديث الصحيحة- إلا أنها توافق في دلالتها العامة ما ورد في القرآن بشأن الهجرة. فالهجرة فريضة محتومة يوم تكون ابتعادا عن مواطن الضعف وأسبابه. وهى على كل حال باب إلى السعة والحرية، فمن أدار ظهره للهوان، وولى وجهه شطر المجهول من أرض الله يبتغى العزة والأمنة، فهو صائر إلى خير لا محالة ... إن عاش ظفر بالكرامة، وإن مات فقد وقع أجره على الله. (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما) . وذاك ما أوحى إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعى أن يقول:

ما في المقام لذى عقل وذى أدب ... من راحة، فدع الأوطان واغترب

سافر تجد عوضا عمن تفارقه ... وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

أنى رأيت وقوف الماء يفسده ... إن سال طاب دان لم يجر لم يطب

الأسد لولا فراق الغاب ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة ... لملها الناس من عجم ومن عرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت