والمتتبع لأسلوب القرآن في بناء الإيمان، وتكوين الأمم، يستيقن أن مدارسة الكون، ومعالجة الحياة، هما النهج الأوحد لإقامة الدين الحق، وإقامة الدنيا الحارسة له. وقد ابتدأ هذا النهج واطرد، من أول الرسالات إلى آخرها .. ففى رسالة نوح نستمع إلى هذا التساؤل الواضح الدلالات: (ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا) . أرأيت هذا اللفت القوى إلى ما في الكون من خيرات ميسرة للناس؟ من مشارق الحضارة الأولى، ومنذ تكون أول مجتمع للبشر على ظهر هذه الأرض، وقف نبى الله نوح يقول للناس: الأرض لكم بساط، فاسلكوا سبلها، واستثيروا ذخائرها .. وبعد ما غبرت دهور على سير القافلة البشرية في التاريخ، وانطلاقها مع الزمن، نسمع الخطاب نفسه، والمعانى نفسها على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال * الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه) . فهل يكون متدينا هذا الذى يستمع إلى تلك الإباحات، ثم يقرر بناء صلته بالحياة الأولى على الانزواء، والغربة في الكون، والجهل بأسرار الوجود!؟ إن التصوف ضل الطريق، وظلم الدين بهذا المسلك ... !! 026