بل إن الإسلام كان متجاوبا مع جبلة البشر، عندما اعتبر هذه الوساوس ـ كتغضن وجه الماء عند هبوب النسيم على صفحة البحر ـ أمرا لا تبطل به الصلاة، ولا يؤاخذ به الإنسان. قال عليه الصلاة والسلام:"إن الله تجاوز لأمتى ما لم تتكلم به، وتعمل، وبما حدثت به أنفسها". وقد ورد في الحديث أن الشيطان ـ بعد انتهاء الإقامة للصلاة ـ يقبل على المصلى، ويخطر بينه وبين نفسه، ويقول له: اذكر كذا لما لم يكن يذكر ... !! ولم ير النبى صلى الله عليه وسلم في هذا مفسدة للصلاة، إلا أن يسهو عن شئ فيجبره بسجدتين. لكن أحد العلماء وقف على مجلس للصوفية، وسأل شيخهم: ما حكم من سها في صلاته؟ فقال: عندنا أو عندكم؟ فاستغرب السائل. واستطرد المفتى يقول: عندكم سجدتان. وعندنا يضرب مائة سوط، ويطاف به في الأسواق، ويقال: هذا جزاء عبد أساء الأدب في حضرة سيده!! إن أصل الإخلاص لله في هذه الفتوى قد يقبل! ولكن ترك هذه العواطف تموج كيف تشاء، وتنشئ من الأحكام ما ترى، غلو يقتل الدين والدنيا معا، كالدبة التى قتلت صديقها في حرارة الإخلاص له والدفاع عنه. وقد قلت: إن هذا التصوف قد انتهى عصره، وانقرض رجاله، ولكن بقاياه الشائعة في مواريثنا الروحية والفكرية لا حصر لها .. وأذكر أننى تعلمت قواعد البلاغة في كتاب لأحد الصوفية، حرص الرجل فيه على جعل الأمثلة كلها متضمنة للحقائق المتداولة بين القوم. مثل:"اللهم عبدك أتاك معترفا بذنبه، فتب عليه توبة تمحو الأغيار من قلبه". 024