الصفحة 22 من 172

لقد استطاعوا - فيما رسموه لأنفسهم وللناس من طرق ـ أن يحدثوا تلفا حقيقيا في أجهزة الطبيعة الإنسانية .. !! ذلك أن صلة المرء بالدنيا لاصقة بفطرته. واهتمامه بشئون الحياة الدنيا يجرى الهواجس في نفسه تيارا متقطعا، ولكنه دائم. ولذلك قلما يفلت أحد منها. والشارع الحكيم لم يتصور ـ ولم يطلب ـ خلو النفوس من هذه الهواجس الدنيوية حتى في أثناء الصلاة ... أما الصوفية فقد طلبوا ذلك وبينوا الوسيلة إليه. قالوا: إن الهواجس البشرية كالطير السارحة في الجو، كلما وجدت شجرة مورقة أوت إليها، واتخذت من غصونها أعشاشا، ومسارح للغناء ... وما دامت شجرة الدنيا باسقة في القلب، فلن تفتأ الهواجس والخواطر تهجم على الإنسان وتعكر عليه مناجاته لربه، وتجعل صلاته مشوشة. والطريقة المثلى لخلوص القلب، قطع هذه الشجرة من الفؤاد! ومن ثم تنطرد هموم الحياة من تلقاء نفسها، إذ لن تجد مكانا تحوم فيه ... وهذا الكلام ينطوى على خطأ كبير، وإن بدت فيه مشاعر الإخلاص الحار ... وأول آثاره ـ في وعى مسلم يقف بين يدى الله خمس مرات في اليوم ـ أن علاقته بالدنيا سوف تضعف جدا، بل سوف تنقطع يقينا. وما كذلك عالج الإسلام هذه القضية الخطيرة. فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه قال:"أنى لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة". وكلام عمر واضح، وعلته واضحة. فالرجل يقرأ في صلاته قرآنا يتحدث عن الحياة وعن القتال وعن الجزية، وتداعى المعانى في هذا المجال طبيعة لا غرابة فيها ولا نكر. 023

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت