وزحزحة الإسراف جهة اليمين ليكون كرما فحسب. وزحزحة التهور كذلك ليكون شجاعة فحسب، أمران يحتاجان إلى مس لطيف تتحقق به الفضيلة المنشودة. فإذا زادت الحركة عما ينبغى تجاوزت الوسط المطلوب. وربما حولت المسرف إلى بخيل، والشجاع إلى جبان، وتأمل قول الشاعر: بلغت في لومه حدا أضربه من حيث قدرت أن اللوم ينفعه! إن ذلك ما فعل المتصوفة، نهوا الناس عن حب الدنيا والفتنة بها. وما زالوا يحصون مثالبها ويقبحون الاتجاه إليها، حتى أصبحت أيدى الناس صفرا منها. فعانوا آلام الجوع بعد ما كانوا يعانون متاعب البطنة ... فأى طبيب ذلك الذى لا يحسن إلا نقل المريض من علة إلى علة قد تكون شرا منها وأنكى!؟ وتراث الصوفية حافل بهذا الغذاء المسموم. لا يصح الإيمان إلا بنبذ الحياة، ولا تخلص الآخرة إلا بهجر الدنيا. ومع أن أصحاب الكلام قد انقرضوا فيما نعلم، إلا أن الحرارة التى صحبت غرسه ونشره في القرون الأولى، استبقت آثاره إلى هذه الأيام ... فترى العاصى الذى يريد التوبة يفكر أول ما يفكر في الانسلاخ عن الحياة، واعتزال الناس!! كأن ذلك هو وحده طريق الحق، أو أن ذلك هو ما عرفه على أنه منهج الإسلام .. إن الخباز الأحمق قد يدخل الأرغفة الطرية في الفرن ليقددها، فإذا هو يحرقها ... كان اللفح الخفيف كافيا لإنضاجها، ولكنه تركها للنار حتى أتت عليها .. والمتصوفة أفلحوا في تكوين أجيال محترقة من زمان بعيد. سلطوا عليها من اللهب ـ باسم إنضاجه
1 -ما جعلها ترابا لا خير فيه، وهم يتصورون أنها بلغت درجة الكمال. 022