الصفحة 20 من 172

فإن غيره من علوم الدين واللغة لم يسلم من هذا الفساد، ولا نجت الأمة من الشرور التى عرته. إن علم الكلام ـ كما يدرس في الجامع الأزهر الآن ـ سقيم المنهج قليل الجدوى .. وعلم الفقه ـ كما يؤخذ عن كتبه المؤلفة من عدة قرون ـ يسئ إلى الدين أكثر مما يحسن. وعلوم البلاغة ـ التى تدرس متونها وشروحها، دراسة تقليدية دقيقة ـ لا تكون أدبيا .. ! بل لعلها تفسد الذوق البيانى عند أصحابها. بيد أن هذا العوج العلمى محصور في مواطن ضيقة. أما عاطفة التدين على النحو الذى صاغها فيه علم التصوف فقد اقتحمت جميع السدود، وغلبت على الألوف المؤلفة، وتنقلت بين مختلف الأجيال .. حتى لقد جاءت أحيان من الدهر على الأمة الإسلامية المترامية الأطراف، وهى تسير في هذه الطرق، وتصبغ دينها ودنياها بهذا اللون من الفهم والسلوك. لو أن التصوف اقتصر على شرح الجانب العاطفى في الإسلام، والتزم في شروحه الحدود المعروفة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأفاد كثيرا. بيد أن التصوف دخل في موضوعات غيبية لا علاقة له بها. وتعلق بأفكار أجنبية ينكرها الإسلام. واشتط في أحكامه على الأمور، فزل عن الصراط المستقيم. وصلة المسلم بالحياة من الموضوعات التى أصدر التصوف فيها فتاوى خاطئة. ولعل الخطأ جاء من سوء العلاج لا من سوء الفهم ... ذلك أن الفضيلة كثيرا ما تكون وسطا بين رذيلتين، إلا أن هذا الوسط ليس بالقياس الهندسى الدقيق. فقد تجئ الفضيلة أقرب إلى أحد الطرفين، كالكرم، والشجاعة، مثلا .. فإن الكرم أقرب إلى الإسراف، والشجاعة أقرب إلى التهور .. 021

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت