الصفحة 17 من 172

وذاك السبب في أن الإسلام اجتهد في إبطال هذا السحر، وتنبيه الخاصة والعامة، ألا يغتروا بهذه الدنيا ... وألا تجرفهم فتن الحياة .. هل معنى التحذير من غوائل الأكل والبطنة أن يتخذ الجوع دينا؟ والتضور صراطا مستقيما؟ .. لا، بداهة ... وفى هذا النطاق البين نفهم ما روى عن أبى عبيدة بن الجراح، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين، فلما سمع الأنصار بمقدمه، وافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا انصرف منها تعرضوا له .. فتبسم حين رآهم، وقال:"أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشئ من البحرين"؟ قالوا: أجل يا رسول الله .. فقال:"أبشروا وأملوا ما يسركم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها؟ كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم"!! أى شىء في هذا الدرس؟ مرشد حصيف يلفت أتباعه إلى شرور المكاثرة والتحاسد، وأضرار النهم والتعادى .. !! فهل يعتبر بهذه النصيحة الغالية داعيا إلى المسكنة والعجز، وهجر الحياة وترك الدنيا.!؟ إن انسلاخ المؤمنين عن الحياة معناه فرارهم من الميدان، وهربهم من التكاليف. ومعناه القضاء على الدين نفسه، والحكم على تعاليمه أن تظل حينا من الدهر حبرا على ورق، بل احتراق هذا الورق نفسه عندما يشاء ملاك الحياة أن يمحوا ما بقى من آثاره، وأن يجعلوه جزءا من أساطير الأولين. إن العمل للحياتين: الدنيا والأخرى، قد وصل الإسلام أطرافه، وربط بعضه ببعض .. فإذا رأيت طاقات معطلة، وأعمالا مهملة، وواجبات مهددة، فثق أن الذى ضاع من دين الله لا يقل عن الذى ضاع من دنيا الناس. وثق أن الانهيار النفسى الذى جر هذا الضياع قد أصاب الإيمان والخلق بمثل ما أصاب الحضارة والعمران ... 018

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت