والدين قد يحمل أوزار التخلف والجمود ـ التى تلمح في بعض البيئات ـ لو أن نصوصه المحددة هونت من قيمة السعى، أو رغبت الناس عنه. أو لو أن ما يبقى في النفوس بعد تلاوة آياته، يوحى بالاستكانة والركود. لكننا نتدبر القرآن كله، فلا نجد دعوة أحر من دعوته إلى الإيمان والإحسان والإصلاح. ونتدبر سيرة رسوله، فلا نجد رجولة تدانيها في الكفاح والدأب، والمصابرة إلى آخر رمق. ونتدبر الأمة العربية التى ظهر فيها هذا الدين فنجد أمة انطلقت بغتة بعد وقوف طويل، وبرزت بعد خفاء مهين. ولم يكن الوقود الذى أشعل حركتها، وأطلق ثورتها إلا هذا الدين ... نعم هذا الدين وحده، فعن طريقه أبصرت النور، وأنشأت المدنيات ... ثم لم تذق ـ هى وحدها - طعم الحياة الراقية في ظله، بل أذاقته أمما في الشرق والغرب كانت رمما بالية، حتى جاءها هذا الإسلام فمنحها الحياة والرقى والقوة!! ونتساءل بعد ذلك: إذن فما السر في هذا التصدع النفسى والعقلى الذى ران على المسلمين في أغلب أقطارهم، وجعلهم غرباء في أرضهم، عجزة عن استخراج كنوزها واستغلال ما تناثر هنا وهناك من خيرها!؟
الكشف عن هذا السر يتطلب إحصاء جملة من الرواسب المادية والمعنوية تعد في نظرنا سبب هذا التبلد. وهى رواسب تكونت على مر القرون، وانحدرت في وراثات جارفة ... ويمكننا هنا تحديد أربعة مصادر تولد عنها هذا الإدبار المزرى وأصابنا منها ما أصابنا:
1 -فساد عاطفة التدين تبعا لانتشار تعاليم المتصوفة، وشيوع أفكارهم القائمة عن الحياة ...
2 -انكماش القيمة الإنسانية للفرد في ظل الاستبداد السياسى الطويل ...
3 -انطفاء القوى العقلية، وتسلط الأوهام والخرافات على الحياة العامة ...
4 -المروق الظاهر عن أغلب النصوص والقواعد الإسلامية ... ونبدأ الكلام عن العلة الأولى. 019