الصفحة 159 من 172

أى أن التربية والتهذيب هما الطريق الوحيد للتقدم والسمو. ولن يستريح أحد من عبء هذه المجاهدة ولا ما تستتبعه من وقوع الخطأ، والفرار منه. وربما أفاد المرء دربة بحفر الطريق، ومساوئه، ومتاهاته من طول ما يعانى في سبيل الحق. بل إن أبصر الناس بالحياة، وأعرفهم بأهلها أولئك الذين تمرسوا بصعابها، وتعرضوا لأهوالها، وعثروا وقاموا، وفشلوا ونجحوا، وسالموا وخاصموا ... ووصلوا إلى النهاية بعد خبرة عميقة بأسباب الصعود والانحدار .. !! إن الشيطان نفسه يخشى هؤلاء، وذلك معنى الأثر الوارد في فضل عمر بن الخطاب:"لو سلك عمر فجا لسلك الشيطان فجا آخر"! ولأنقل هنا كلمات في شرح الشخصية الإنسانية كتبها الدكتور"هنرى لنك"موضحا أفضل الطرق لبلوغ الكمال قال:"تخبط الناس كثيرا في استعمالهم لكلمتى منطو ومنبسط. والواقع أن كليهما مقياس للأنانية، أعنى الأنانية المتطرفة في حالة الانطواء، والأنانية البسيطة في حالة الانبساط، فالمنطوى أو الأنانى يتحاشى مقابلة الناس، أما المنبسط فيذهب بنفسه لمقابلتهم والتعرف عليهم. المنطوى أو الفردى يتهرب من تكاليف الجماعات والأندية ومطالبها. أما المنبسط الاجتماعى فيتقبلها بصدر رحب، وقد يفكر المنطوى في اتيان عمل طيب لكن المنبسط يأتيه بالفعل. ولا يجد الأول الوقت متسعا لعمل ما لا يحب، ولكن الثانى يلتمس الدقائق الخيالية ليقوم به. ويخشى الشخص الفردى ارتكاب الأخطاء، وبالتالى يفزع من إرباك نفسه فلا يقدم على أية مجازفة، ولكن الاجتماعى- ولو أنه يخشى الخطأ أيضا- إلا أنه يعمل ويثابر فيخطئ فيتعلم ويقاسى، ثم يكسب أخيرا المهارة فيما مارسه وتتولد فيه الثقة بالنفس. وكثيرا ما كنت أقول لمرضاى: إن الأفضل أن يرتكبوا سبعة أخطاء بدل أن يرتكبوا خطأ واحدا. فبينما يتردد الرجل الفردى قبل أن يمضى في مشروع ما لشدة شعوره بنقصه تجد الآخر غير مبال بارتكاب الأخطاء لأنه يوقن أنه لن يصل إلى المجد والعظمة من غير هذا الطريق ....". والانطواء والانبساط عادتان واقعتان تحت سيطرة المرء بلا شك ـ كما يرى الدكتور ـ ولذلك فكل إنسان مسئول عن الطريقة التى يتبعها للتسامى بنفسه على مر الأيام. وهى طريقة قوامها التمرين، والجهاد، والعمل، والمصابرة ... وفى التفكير الإسلامى نظرتان بعيدتان عن الحق فيما يتصل بالخطأ والصواب، أو النقص والكمال، أو الطاعة والمعصية. 160

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت