الصفحة 158 من 172

إن هذه التبعية، أو بالتعبير الشرعى هذه العبودية تنظم حياته، وتصون يومه وغده، وتجعل سعادته المنشودة ثمرة محققة لسيره وفق أوامر الله جل شأنه .. ثم هى أحسن أسلوب لاستثارة قواه، واستخراج خيره، كما تستثار الأرض الخصبة (أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير) .

إننى أشعر بسرور غامر عندما أرى نتاج في العقل الإنسانى المجرد يلتقى مع معالم الوحى الإلهى، وتعاليم الدين الحنيف. وليس ذلك فقط عند إثبات الألوهية، ودعم أصول الإيمان. بل عند التلاقى في وصف الطريق إلى الكمال، وسرد خطواته الصائبة. إن الإنسان يولد فردا، ضعيف القوى، صفر المعرفة، غفل المشاعر، ثم ينمو رويدا حتى يبلغ أشده، إن قدر له عمر وطال به الأجل. واكتمال كيانه المادى، مثل لاكتمال كيانه المعنوى: إن هو أراد مراتب العلا، وسعى لها سعيها. لن يحرز المجد دفعة واحدة ولن ينال ما يبغى بعد شوط قصير .. إن إدراك الكمال الإنسانى يشبه بلوغ الكمال الفنى في أى موضوع .. لابد أن يمر"بمسودات"كثيرة، ونماذج متفاوتة. ومعنى هذا أنه لابد من أخطاء تقع، ثم يلحقها التصحيح، والتقويم، حتى يمكن إفراغها في قالب أفضل. وعندما توضع في القالب الجديد، ستبدو بها هنات، أو ينكشف عوج لم يكن ملحوظا من قبل، فيراد تصحيحها وتقويمها. وعندما يظن أن نصيبها من التجويد قد تم، ينكشف من آفاق الكمال ما يجعلها بحاجة إلى مزيد من التحسين .. وهكذا ... تظل نفس الإنسان موضوع عنايته ما بقى حيا ينشد الحق ويستزيد من الخير والرفعة .. 159

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت