وشبيه بذلك حديث الدين المستفيض عن الدار الآخرة، وضرورة الإعداد لها. والإعداد لها إنما هو بإحسان العمل في هذه الحياة الأولى: (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) . وإذا كانت الآخرة حقا، فما معنى تجاهلها وإهمال شأنها!؟ ثم إن العمل للآخرة قد يكون تعطيلا لأعمال الدنيا لو أن المجال مختلف، أو أن ميدان هذه غير ميدان تلك. عندئذ يقسم الإنسان وقته بين عمل لليوم، وعمل للغد، فيكون التقدم في أحدهما على حساب الآخر حتما. لكن الإسلام ما فكر في هذا، ولا دعا إليه. إن زراعة الأرض عمل من صميم أشغال الحياة الدنيا، فانظر كيف تصحبه نية صالحة فيتحول إلى عمل للجنة، وجهد للآخرة.!! عن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة". وفى رواية عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم بأذنى هاتين يقول:"من نصب شجرة فصبر على حفظها، والقيام عليها حتى تثمر، كان له في كل شىء يصاب من ثمرها صدقة عند الله عز وجل". ما معنى هذا؟ معناه أننى أستطيع أن أبنى بيتا لى، وأحيطه بحديقة يانعة رائعة، فأنال بذلك من زهرة الدنيا ما أبغى. وفى الوقت نفسه، أستطيع احتساب هذا العمل في موازين حسناتى بشىء واحد! شىء يسير. أن أجعل للطارق الغريب، والبائس الفقير، حقا لدى، وأن أشعر بأن الله حبانى هذا الخير لأحب مثله لغيرى، وليجد الضعاف مأوى في كنفى، قدر ما أستطيع. 016