الدين يذكر الناس بالموت لا ليكفوا عن السعى، أو يتوقفوا عن الحركة، بل ليكون سعيهم راشدا، وحركتهم رزينة ... ولقد راقبت بنفسى مسيرة البشر وهم مستغرقون في كفاح الحياة، تائهون في زحامها، فاستيقنت أن هذا الجنون يحتاج إلى علاج ... القوى يصيبه مس فيفجر .. والغنى ينتابه طيش فيطغى ... والشباب والشيوخ ينبعثون عن شهواتهم وأمانيهم ومآربهم الخاصة، فلا يبالون في مسيرتهم بأحد، ولا يهتزون لعاجز أو بائس يذهب تحت أقدامهم .. !! هل على الدين من حرج إذا كسر حدة هذه النشوة، وقال للذاهلين: ويحكم: (كل نفس ذائقة الموت) . إن هذه الحقيقة ـ التى لا شك فيها - لا وزن لها ولا حساب عند أغلب البشر. ومن هنا كثر ترديدها على الأسماع في تعاليم الأديان كلها، لعل ذكرها يهدئ الأعصاب المتوترة، ويروض الغرائز المتمردة. عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلس وهم يضحكون فقال:"أكثروا من ذكر هادم اللذات"- قاطعها- قال أنس: أحسبه قال:"فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه". والمجلس الذى مر به الرسول، وهو يضحك، لم يكن مجلس قوم أتعبهم العمل فهم يستجمون ويستروحون، بل كان مجلس بطالة وغفلة وترف .. ومن ثم وجه إليهم الرسول تلك العظة. والزيادة التى ضمها أنس تشير إلى المراد من هذا التذكير، وهو حسم الغرور بالكثير، وتخفيف الألم من القليل .. أى أن الدين يريد بهذه الذكرى رد البشر إلى حالة الاعتدال: الفكري والعاطفى. وهى الحالة التى تصلح بها الحياة، وتستقيم عليها الأوضاع .. 015