الصفحة 138 من 172

فلننظر الآن إلى ما ينطوى عليه هذا المبدأ من الخطر الفعلى في الناحية التطبيقية: من المعلوم أن جماهير الشعوب تميل دائما إلى المحافظة على اتجاهها ما لم توجد عوامل قوية تعمل على تغيير هذا الاتجاه. فقانون القصور الذاتى ينطبق عليها كما ينطبق على كل شئ في الوجود. الساكن يبقى ساكنا ما لم يحركه محرك، والمتحرك يحتفظ باتجاهه ما لم تصدمه قوة مخالفة لاتجاهه فيغير وجهته وحركته. وقد تقدم أن العدول عن المواريث الثقافية إنما هو هدم وإزالة يقتضيان بذل مجهود ضخم لإفناء قوتها وتغير اتجاهها. ومعنى هذا أن محاولة القضاء على مواريثنا يطلب بذل جهود النهضة في عملية الهدم، وهذا يؤدى إلى إضاعة هذه الجهود في محاولة سلبية نتيجتها الهدم وحده ... ! ويعقب هذا - لو فرضنا إمكانه ـ مرحلة ذبذبة وبلبلة، يفقد فيها المجتمع إيمانه بمقدساته، ويفقد فيها مقاييسه جميعا. ثم هو لم يصل إلى إقامة هيكل جديد يحل محل تلك المقدسات، فماذا ينشأ عن هذا سوى الفوضى في كل شئ؟ انفراط العقد، وزوال الرابطة التى كانت تربط الأفراد، وتحدد علاقاتهم فيما بينهم، أو بينهم وبين المجتمع الشامل الذى يعيشون فيه. فلا يكون لتلك الحال من علاج سوى وجود قوة مسيطرة من فرد واحد أو مجموعة أفراد تسلب حريات الآخرين، وتفرض سلطانها على الجميع، للمحافظة على كيان هذا المجتمع المفتعل. وليست الأمثلة البعيدة عنا، فإن بعض الدول الإسلامية تعرضت لمثل هذا الخطر، ولا تزال تعانى منه أكبر الأحزان. فسلامة النهضات لا تكون بهدم المواريث الثقافية التى حفظت كيان الأمة في العصور الماضية. بل تكون بإعادة تطبيق تلك المواريث بحيث تلائم ظروف الحياة الجديدة، وهى هى في جوهرها صافية. ثم إن التاريخ يدلنا على أن الأمم التى تقاسى مثل هذه المحن لا تصل إلى نتيجة إيجابية من وراء نهضاتها، بل لا تلبث أن تبين خطأها وتعود لتلتمس النهضة من المواريث التى نبذتها، ولكن ذلك يكون بعد فوات الأوان. 139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت