فالأسلوب القديم الذى طبقت به مواريثنا يحتاج إلى وضع جديد يتلاءم مع هذه النهضة. ويمكننا أن نشبه مشكلتنا بحالة صبى كان يعد له ثوب على قد من نسيج معين، ثم كبر عن قد ثوبه، فاحتاج إلى ثوب يناسب جسمه. أو حالة مريض هزيل دب في جسمه البرء، وأخذ جسمه ينمو ويمتلئ .. فهو في حاجة إلى ثوب يناسب حالته بعد الشفاء. ومن المغالطة الواضحة أن يزعم أن النسيج أصبح لا يوائمه. إن تفصيل الثوب هو الذى يحتاج للتلاؤم مع الجسم، وأما النسيج فهو النسيج الذي سبق لنا تجربته، وتحققت لنا متانته، ونفاسة مادته"."
ولكن باسم"التطور"ظهر في جملة أقطار إسلامية أناس يكرهون الإسلام، ويضيقون بذكره أشد ضيق، وهم يحاولون عبثا أن يقيموا إصلاحات، أو ينشئوا يقظات، لا تمت إلى الإسلام بنسب، ولا صلة!! وقد استطاع بعضهم الإغارة على الحكم، وتسخير سلطاته في التدمير على الدين، ونبذ شرائعه، وإقصاء دراساته، وإماتة أهدافه. ولما كانت الجماهير تحب دينها، وتتعلق بتعاليمه وتقاليده، وتود تنشئة أولادها عليه، واستدامة الحياة في كنفه، وتقاوم ذلك العدوان البغيض على مواريثها المقدسة. فإن هؤلاء الحكام لم يقدروا على البقاء في كراسيهم إلا بالحديد والنار ووراء أسوار من الاستبداد والغشم ... !! إن الحريات المكفولة أعدى عدو لهؤلاء الحكام الكفرة. ذلك أنهم كى يقيموا الأنظمة التى يريدون. يجب أن يزيلوا المخلفات القديمة ـ كما يسمونها - وأن يغيروا بيئات أمضى الزمان في بنائها الروحى أربعة عشر قرنا. ودون صوبات هائلة، وعراك طويل. ولن تنتهى هذه المحاولات أبدا بخير يعود على الأمة، أو يصون غدها. ونختم هذا البحث بكلمة أخيرة للأستاذ أبى حديد، لعلها تكون عظة زاجرة لأولئك الحكام السفهاء ... قال:"وقد سبق أن بينا في ثنايا هذا الحديث ما ينطوى عليه مبدأ نبذ المواريث من مغالطة في المنطق. 138"