على أننا إذا نظرنا إلى الخلف، محاولين استقصاء العبر من تاريخنا الطويل نجد مآسى جمة قد حاقت برسالتنا، وتركت غضونا عميقة في ملامحنا. ولذلك يقول الأستاذ أبو حديد:"لقد توالت على الأمة العربية والإسلامية كوارث شديدة، وعصفت بها حوادث خطيرة من خارجها ومن داخلها. فمن الخارج تعرضت الأمة لغزوات أجنبية متعاقبة ما زالت تلح عليها منذ ثمانية قرون أو تسعة إلى أمسنا القريب، بل إلى يومنا هذا. ومن الداخل تعرضت الأمة لأجيال من الحكام والسادة المفسدين الذين كانوا يعملون على تحطيمها، وهم المسئولون عن صلاحها. وكان أكبر هم للمغيرين من الخارج، وللمفسدين من الداخل، أن يدمروا أول كل شئ هذه المواريث التى تحفظ كيان الأمة وتكفل حياتها". لكن هل نستسلم للخطأ، ونتهاوى في حفر الفناء ... ؟ كلا!! يقول:"ما أجدرنا نحن في نهضتنا الحاضرة أن نستخلص العبرة مما جربته الأمم الأخرى، وأن نعرف أن المواريث التى حفظت عليها حياتنا وشخصيتنا وحريتنا عبر القرون الماضية هى الكفيلة بحمايتنا، وحفظ حرياتنا وحقوقنا في مستقبل أيامنا". ثم يقول شارحا أمثل الطرق للعمل الواجب:"الأمة العربية في عصرنا هذا تستقبل نهضة لا شك فيها. نهضة كموجة المد تعلو في أناة، ولكنها تمتد ولا يمكن إنكارها أو وقفها .. إنها إفاقة جبارة بعد غفوة طالت بهذه الأمة نحو خمسة قرون أو تزيد كثيرا أو قليلا بحسب ظروف الأماكن والحوادث. هذه الأمة تنبض بالحركة في كل مكان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن شمالها إلى جنوبها. بل من الحق أن نقول: إن حركتها تعدت حدودها، وسرت هزتها إلى قارات أخرى تحيط بها. هذه النهضة متعددة الجوانب والمظاهر، وبقدر ما تنطوى عليه من قوة وحياة، وبقدر تعدد جوانبها ومظاهرها، تتعدد فرص التدافع والتصادم بينها وبين النظم القديمة، التى أصبحت اليوم غير صالحة لأن تكون تطبيقا سليما لمواريثنا. ومن هنا نشأت مشكلة أو مشكلات عدة. 137"